إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نصرة السنة الطاهرة وتصحيح مفهوم النهي عن لباس الشهرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نصرة السنة الطاهرة وتصحيح مفهوم النهي عن لباس الشهرة

    نصرة السنة الطاهرة
    وتصحيح مفهوم النهي عن لباس الشهرة

    تقديم فضيلة الشيخ
    أبي عبد الرحمن عبد الرقيب بن علي الكوكباني حفظه الله

    كتبها الفقير إلى الله
    أبو فيروز عبد الرحمن بن سوكايا الإندونيسي عفا الله عنه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تقديم فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الرقيب بن علي الكوكباني حفظه الله

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله العالم بما يسّره العبد ويخفيه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شفيع العباد في يوم لا ريب فيه، أما بعد:
    فقد طالعت رسالة أخينا المفضال الباحث المؤلف المحقق أبي فيروز عبد الرحمن بن سوكايا الإندونيسي تحت عنوان: نصرة السنة الطاهرة وتصحيح مفهوم النهي عن لباس الشهرة، فألفيتها رسالة مباركة قيمة قد أودع فيها مؤلفها فوائد تشدّ لها الرحال. وفيها دراسة حديثية وفقهية مانعة على حديث لباس الشهرة وتعجب وأنت تقرأ في طياتها أنها درر منظومة آخذ بعضها بعنق بعض، أولها مناسب لآخرها، وآخرها مؤتلف مع أوساطها، وحتى لا يصيب القارئ الملل من طول المقدمة أودعها مع هذه الرسالة حتى يرى ما رأيت ويعي ما وعيت. إن ربك بكل خير كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    وكتبه أبو عبد الرحمن عبد الرقيب الكوكباني
    السبت 3 من شهر صفر لعام 1437 هـ
    في حرم الله الطاهر بمكة أم القرى زادها الله شرفاً



    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة المؤلف عفا الله عنه
    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([1]﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾([2]﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾([3]).
    فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة، أما بعد:
    فذكر أحد الأساتذة الأفاضل أن أحد المشايخ يحكم بكراهة لبس العمامة في بلاد الأعاجم إذا لم يعتد الناس عليها. وذكر حفظه الله أن شخصاً آخر يحثّ على عدم لبس العمائم وغيرها مما يخالف أهل بلده في الملابس. وحثّني حفظه الله على معرفة هذا الشأن لأن بعض الحزبيين المميعين يستغلّون تلك الفتاوى لتغيير ما سنّه سلف الأمة من الملابس الشرعية.
    وأرسل إليّ بعض الإخوة يسألني عما أشاعه بعض الملبّسين أن لبس العمامة والجبة في بلادنا ليس من السنة، بل قد يأثم فاعله لأن ذلك يخالف عادة الناس.
    وأخبرني أيضاً أخ آخر يحب السنة أن المميّعين يُفتون بعدم شرعية لبس العمامة والجبة في بلدنا لأن ذلك يخالف عادة المجتمع فصار داخلاً تحت النهي عن ثوب الشهرة.
    وكلهم يطلبون مني إجابة هذه الشبهة لأنها تعتبر تبديلاً لسنة السلفيين في بلدنا –بل في جميع أنحاء العالم- منذ السنين المديدة في تعظيم السنة بإظهار الملابس الشرعية.
    فألبّي مطالبهم العزيزة، وأشكر الله تعالى على توفيقه، ثم أشكر فضيلة شيخي الكريم المفضال أبا عبد الرحمن عبد الرقيب بن علي الكوكباني حفظه الله على بذله الجهود في مراجعة هذه الرسالة، وإفادته العزيزة، ونصرته العظيمة، فجزاه الله خير الحزاء.
    وأقول مستعيناً بالله تعالى:


    الباب الأول: حال حديث النهي عن ثوب الشهرة

    إن هؤلاء القوم يستدلون على مقالتهم بحديث: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة». فنحن نستعين بالله على تتبع هذا الحديث وبيان الأئمة في ذلك لنكون على بصيرة من أمرنا.
    فالحديث جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما:
    قال الإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (5664): حدثنا هاشم، حدثنا شريك، عن عثمان يعني ابن المغيرة وهو الأعشى، عن مهاجر الشامي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة». (أخرجه أبو داود في سننه (4029) وابن ماجه في سننه (3606) والنسائي في الكبرى (9487) وأبو يعلى في مسنده (5698) من طريق شريك به).
    في سنده شريك وهو ابن عبد الله القاضي وهو لين على الراجح، ولكن روايته عن عثمان بن المغيرة قويّة.
    وعثمان بن المغيرة ثقة. قال صالح بن أحمد عن أبيه: عثمان بن المغيرة هو عثمان بن أبي زرعة وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان الثقفي كوفي ثقة، ليس أحد أروى عنه من شريك. ("تهذيب التهذيب" /7/ص 155).
    وقد تابع شريكاً أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري كما أخرجه ابن ماجه في سننه (3606).
    ومهاجر الشامي هو مهاجر بن عمرو النبال الشامي، مجهول الحال. (راجع "تهذيب التهذيب" /10/ص 322).
    فالحديث ضعيف بهذا السند، لجهالة مهاجر بن عمرو الشامي.
    ومن حسّن هذا السند فقد أخطأ.
    وقد خطّأ الإمام أبو حاتم الرازي المرفوعَ، وصوّب وقفه.
    قال الإمام ابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن مهاجر الشامي، عن ابن عمر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لبس ثوب شهرة، ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة»؟ قال أبي: هذا الحديث موقوف أصحّ. ("علل الحديث" /4/ص 341-342).
    وقال شيخنا المحدث يحيى بن علي الحجوري حفظه الله: ... لباس الشهرة الذي جاء ذكره في حديث ابن عمر رضي الله عنه الراجح وقفه. (انتهى من "شذرات من أوائل دروس فضيلة الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله تعالى"/"الكنز الثمين").
    وهذا الموقوف أيضاً لا يثبت.
    أخرجه الإمام معمر في "الجامع" (19979) عن ليث، عن رجل، عن ابن عمر موقوفاً: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ذلاًّ يوم القيامة».
    وفي سنده ليث هو ابن أبي سليم لين الحديث.
    وفي سنده أيضاً مبهم.
    أخرجه الإمام البيهقي أيضاً في "شعب الإيمان" (5816) وقال: هذا موقوف ومنقطع.
    وأخرجه الإمام ابن أبي شيبة في "المصنف" (25266): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن المهاجر، قال: قال ابن عمر موقوفاً أيضاً.
    في سنده المهاجر وهو مجهول الحال كما تقدم.
    إسماعيل بن إبراهيم المذكور هو السلمي، وقال فيه أبو حاتم: مجهول. وحكى البخاري الاختلاف في حديثه على ليث بن أبي سليم. (راجع "تهذيب التهذيب" /1/ص 107).
    فالصواب: أن الحديث موقوف على ابن عمر، وهو مع ذلك ضعيف السند بسبب إسماعيل بن إبراهيم، وليث، والمهاجر كلهم.
    فحديث ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً مصدرهما المهاجر وهو مجهول الحال، فضعيف.

    وجاء أيضاً من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه.
    قال الإمام ابن ماجه في سننه (3608): حدثنا العباس بن يزيد البحراني قال: حدثنا وكيع بن محرز الناجي قال: حدثنا عثمان بن جهم، عن زر بن حبيش، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس ثوب شهرة، أعرض الله عنه حتى يضعه متى وضعه».
    العباس بن يزيد البحراني هو عباس بن يزيد بن أبي حبيب البحراني البصري، ثقة، إلا في روايته عن الحجاج بن صواف. ("تهذيب التهذيب" /5/ص 134).
    وكيع بن محرز الناجي هو وكيع بن محرز بن وكيع الناجي السامي النبال، صدوق. ("تهذيب التهذيب"/11/ص 131).
    عثمان بن جهم، مجهول الحال، ذكره بن حبان في "الثقات". ("تهذيب التهذيب" /7/ص108).
    زر بن حبيش ثقة معروف.
    فالحديث ضعيف لجهالة عثمان بن جهم.

    وجاء من حديث رافع بن يزيد الثقفي رضي الله عنه.
    قال الطبراني في "المعجم الأوسط" (7708): حدثنا محمد بن عبد الرحمن، ثنا عبد الحميد بن المستام، ثنا مخلد بن يزيد، عن ابن جريج، حدثني أبو بكر الهذلي، عن الحسن، عن رافع بن يزيد الثقفي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة، وكل ذي ثوب شهرة».
    أبو بكر الهذلي متروك الحديث.
    الحسن هو ابن يسار ثقة مدلس وقد عنعن عن رافع بن يزيد الثقفي، ولم يسمع منه ولم يلقه لأن رافعاً رضي الله عنه شهد بدراً، وقتل يوم أحد شهيداً، وقيل: بل مات سنة ثلاث من الهجرة، يقال: إنه شهد بدراً على ناضح لسعيد بن زيد. (راجع "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" /2/ص480).
    والحديث ضعيف جداً بكون أبي بكر الهذلي متروكاً والانقطاع البيّن بين الحسن ورافع.
    وللحديث وجه آخر:
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة رافع بن يزيد رضي الله عنه: قال ابن مندة: رواه سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن رافع نحوه.
    وقال الجوزقاني في كتاب "الأباطيل": هذا حديث باطل، وإسناده منقطع. كذا قال.
    وقوله: باطل مردود، فإن أبا بكر الهذليّ لم يوصف بالوضع. وقد وافقه سعيد بن بشير وإن زاد في السند رجلاً، فغايته أن المتن ضعيف.
    (انتهى المراد من "الإصابة في تمييز الصحابة" /2/ ص371).
    سعيد بن بشير الراوي عن قتادة هو أبو عبد الرحمن الأزدي، ضعيف على الراجح. وروايته عن قتادة أشدّ ضعفاً.
    قال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال فيه الساجي: حدث عن قتادة بمناكير. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه. (راجع "تهذيب التهذيب" /4/ص 10).
    فروايته عن قتادة منكرة.
    وفي سنده أيضاً عنعنة قتادة عن الحسن، وعنعنة الحسن عن عبد الرحمن بن يزيد. وقتادة والحسن البصري مدلسان.
    ولا أظنّ أن يسمع عبد الرحمن بن يزيد من رافع لقدم موت رافع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في بدايات العهد المدني.
    فالحديث بهذا السند ضعيف جداً.
    فالخلاصة: أحاديث الباب ضعيفة.
    والإمام البيهقي بعد أن ذكر اختلافات في أسانيد حديث ابن عمر قال: وروي من أوجه أخرى ضعيفة. ("الآداب" /للبيهقي /ص 198).



    الباب الثاني توجيه حديث النهي

    نريد أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الملبس وغيره ولكن صارت هذه السنن مهجورة عند الجهلاء وصارت غريبة، ويتكلم الناس فينا لتعظيمنا ولمخالفتنا للناس. فهل يجوز لنا ترك اللباس الشرعي بحجة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة؟
    الجواب مستعيناً بالله:
    أن الحديث ضعيف فليس بحجة.
    ولو ثبت الحديث؛ فليس المراد أننا نترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند غربتها لئلا نشتهر بين الناس الجهلاء.
    وإنما المراد: النهي عن لبس الثوب الفاخر الزائد أو الثوب الدنيء المهين لأنهما يسببان الشهرة بلا إذن شرعي.
    فمن أجل ذلك أخرجه الإمام البيهقي رحمه الله تحت فصل: في كراهية لبس الشهرة من الثياب في النفاسة أو في الخساسة. ("شعب الإيمان" /8/ص 274).
    وأخرجه الإمام البغوي رحمه الله تحت باب: باب ترقيع الثوب والبذاذة والاحتراز عن الشهرة. ("شرح السنة" /للبغوي /12/ص 44).
    ولعل المقصود بالشهرة هنا: أن يشتهر بما لا يستحقه، ويريد أن يتكبر به ويفتخر به.
    وهذا المعنى وجيه لوجود حديث أسماء رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». (أخرجه البخاري (5219) ومسلم (2129)).
    والأحاديث يفسر بعضها بعضاً.
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فالسنة يبين بعضها بعضا، لا يرد بعضها ببعض. ("إعلام الموقعين" /3/ص10).
    من أجل ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وتكره الشهرة من الثياب وهو المترفع الخارج عن العادة والمتخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المترفع والمتخفض وفي الحديث: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة». وخيار الأمور أوساطها. والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة. ("مجموع الفتاوى" /22/ص 138).
    وقال الإمام ابن مفلح رحمه الله: قال شيخنا: يحرم شهرة وهو ما يقصد به الارتفاع، وإظهار التواضع، كما كان السلف. ("الفروع وتصحيح الفروع" /للبعلي/2/ص 61).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم، فلا يلبسون إلا أشرف الثياب، ولا يأكلون إلا ألين الطعام، فلا يرون لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا، وكلا الطائفتين هديه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض، وفي السنن عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة ثم تلهب فيه النار»، وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذلّه كما عاقب من أطال ثيابه خيلاء بأن خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة([4]). ("زاد المعاد" /1/ص 140).
    وقال رحمه الله: وكذلك لبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويحمد في موضع، فيذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب، يذم إذا كان تكبرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله. ("زاد المعاد" /1/ص 141).
    فالنهي مصبّ على من لبس ذلك رياء الناس وترفيع نفسه عندهم.
    قال علاء الدين البعلي رحمه الله: فإن هذا من الرياء. ("الفروع وتصحيح الفروع" /2/ص62).
    وقال العلامة علي القاري رحمه الله في معنى حديث: (من لبس ثوب شهرة): أي ثوب تكبر وتفاخر وتجبر، أو ما يتخذه المتزهد ليشهر نفسه بالزهد، أو ما يشعر به المتسيد من علامة السيادة كالثوب الأخضر، أو ما يلبسه المتفقهة من لبس الفقهاء، والحال أنه من جملة السفهاء. (في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة): ضدّ المعزّة (يوم القيامة): أي جزاء وفاقاً؛ فإن المعالجة بالأضداد، ومفهومه أن من اختار ثوب مذلة وتواضع لله في الدنيا ألبسه الله ثوب معزة في العقبى. ("مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" /7/ ص2782).
    فعلى هذا: فمن لبس ثوباً ليفتخر به ويتكبر به فهو الآثم المعامَل بنقيض قصده فألبسه الله ثوب المذلة.
    وأما من يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلي سنته الطاهرة ولينصر شريعته الغريبة بين المسلمين فإنه مأجور مشكور.
    وقال القاري رحمه الله: قال القاضي: الشهرة ظهور الشيء في شيئه بحيث يشهر به صاحبه، والمراد بثوب شهرة ما لا يحل لبسه، وإلا لما رتب الوعيد عليه، أو ما يقصد بلبسه التفاخر والتكبر على الفقراء والإذلال بهم وكسر قلوبهم، أو ما يتخذه المساخر ليجعل به نفسه ضحكة بين الناس، أو ما يرائي به من الأعمال، فكني بالثوب عن العمل وهو شائع. قال الطيبي: والوجه الثاني أظهر لقوله: (ألبسه الله ثوب مذلة). ("مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" /7/ ص2782).
    والمحمل الأول الذي ذكره القاضي: (والمراد بثوب شهرة ما لا يحل لبسه، وإلا لما رتب الوعيد عليه) قوي جداً أيضاً. والثياب الشرعية التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حلال، بل أرفع من حلال لأنها هي التي اختارها الله لنبيه ولأمته وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
    وقد سئل فضيلة شيخنا الإمام العلامة يحيى بن علي الحجوري حفظه الله: ما هو لباس الشهرة، وهل لبس العمامة في بعض البلدان الذين لا يلبسونها يعتبر لباس شهرة؟
    فأجاب حفظه الله: لباس الشهرة: هو ما يخالف اللباس الشرعي، وأما ما وافق اللباس الشرعي فليس بلباس شهرة في أي مكان، وعليك أن تعتز بلبسك الشرعي، فهو السنة والصواب، ولبس العمامة أمر طيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبسها، وكانت له عمامة لها عذبة بين كتفيه.
    وكذا لبس القلانس من سمات العرب، ولبس العمامة كالخمار جاء أنهم كانوا يفعلون ذلك، وهو أن يخمر الرجل رأسه، والتعمم بها أفضل وأشهر في كتب السنة من الخمار.
    وأما التشبه بالكفار فحرام، وينبغي التشبه بالصالحين؛ قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ]الأنعام: 90[، وقال: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ]لقمان: 15[، فاقتد بمن هدى الله واتبع سبيل المنيبين إليه، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ]الروم: 31-32[ ، فلا تكن متشبهًا بهم في لباسهم، ولا في أقوالهم ولا في أفعالهم، ولا في شيء من ذلك، وننصحكم بلبس العمائم وحثّ الناس على لبسها، وأن هذا يعتبر تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشى حاسر الرأس بدون عمامة، ولكن أكثر حالات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبس العمامة.
    وبهذا يعلم أن لباس الشهرة الذي جاء ذكره في حديث ابن عمر رضي الله عنه -الراجح وقفه-: »من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة«، المقصود بثوب الشهرة ما خالف اللباس الشرعي، وأيضًا من لبس ثوبًا مشروعًا لكن لبسه لقصد الشهرة والفخر فيشمله الحديث.
    (انتهى من "شذرات من أوائل دروس فضيلة الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله تعالى"/"الكنز الثمين").
    ويحتمل أن النهي يتعلق بمن يلبس ثوباً اتباعاً لهواه.
    قال العلامة المناوي رحمه الله: أي: يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن في ذلك الجمع الأعظم بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب لأنه لبس شهوة الدنيا ليفتخر بها على غيره فيلبسه الله مثله (ثم تلهب فيه النار) عقوبة له بنقيض فعله والجزاء من جنس العمل، فأذله الله كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ولبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويحمد في موضع فيذم إذا كان شهرة وخيلاء ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة كما أن لبس الرفيع منها يذم إذا كان لكبر أو فخر ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا للنعمة. ("فيض القدير" /6/ص 219).
    وقال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره ويلبسه الله يوم القيامة ثوبا يشتهر مذلته واحتقاره بينهم عقوبة له والعقوبة من جنس العمل انتهى. (كما في "عون المعبود" /11/ص51).
    وقال أبو الطيب آبادي رحمه الله: والمراد به ثوب يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوبا يتعزز به على الناس ويترفع به عليهم. ("عون المعبود" /11/ص51).
    وقال العلامة السندي رحمه الله: (ثوب شهرة) أي ثوب يقصد به الاشتهار بين الناس. سواء كان الثوب نفيسا يلبسه تفاخرا بالدنيا وزينتها أو خسيسا يلبسه إظهارا للزهد والرياء. (ثوب مذلة) من إضافة السبب إلى المسبب. أو بيانية تشبيها للمذلة بالثوب في الاشتمال. ("حاشية السندي على سنن ابن ماجه"/2/ص 378).
    فعلى هذه المحامل ليست الثياب الشرعية المسنونة من رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت النهي.
    فمن قصد الحق واتبع السنة وحدود الشرع فإنه مأجور لا مأزور. وليس يعني كلامي هذا تحريم ما جرت به عادة الناس في البلدان فيما لا يخالف شرع الله، ولكن قصدي النكير على من رفع عقيرته بالإنكار جهراً على من حرص على لبس ما كان رسول الله يلبسه. وصدق الله إذ يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
    قال الإمام الشوكاني رحمه الله: والحاصل أن الأعمال بالنيات فلبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبة للمثوبة من الله، ولبس الغالي من الثياب عند الأمن على النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر لقصد التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصه لا شك أنه من الموجبات للأجر لكنه لا بد من تقييد ذلك بما يحلّ لبسه شرعاً. ("نيل الأوطار"/2/ص 131).
    فصل: أهمية اتباع سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهارها، ونصرتها

    فإذا لبسنا ثوباً شرعياً فاستغربه الناس الجهلاء ثم يسألوننا عنه فبيّنّاه لهم فقد نشرنا السنة وأحييناها بعد موتها في تلك البلدة، ونصرنا دين محمد صلى الله عليه وسلم.
    وأما إن تركنا السنة بعلة أن الناس لا يعتادونها تموت سنة سنة وازداد الحق غربةً، وازداد انفتاح المجال لأهل البدع والفسوق والكفر لتبديل السنة وترويج زي الكفار. وهذا باطل قطعاً كائنا من كان قائله.
    فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع وتنصر ولا تترك لمخالفة عادة الجهال، فإن الجهال من عادتهم: إنكار ما لم يبلغهم علمه. ولذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39].
    وقد أفادني شيخي العزيز أبو عبد الرحمن عبد الرقيب الكوكباني حفظه الله مقالة بعض الحكماء من الشعراء:
    أتانا أن سهلاً ذم جهلا * علوماً ليس يدريهنّ سهل
    علوماً لو دراها ما قلاها * ولكن الرضا بالجهل سهل.
    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة. فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح. ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». (أخرجه الإمام أحمد (6764) وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" (3250)).
    وعن رجل من الأنصار من أصحاب الرسول أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «فمن اقتدى بي فهو مني. ومن رغب عن سنتي فليس مني. إن لكل عمل شرة، ثم فترة فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى». (أخرجه الإمام أحمد (23521) وصححه الإمام الوادعي رحمه الله في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" (3251)).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» أي : سلك غيرها؛ ظانًا أن غيرها خير منها، فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله، قال تعالى : ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة : 130 ]. بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في "الصحيح" أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة . ("مجموع الفتاوى"/11 /ص201).
    وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قد تركتكم على البيضاء. ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هلك». (أخرجه ابن ماجه (42)/صحيح).
    فصل: النهي عن التبشه بالشيطان والكفار والأعاجم وأهل البادية

    وزي العرب أحبّ إلينا من زي العجم.
    عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اتزروا وارتدوا، وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات، وألقوا الركب وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نهى عنه وقال: «لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا». وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه. (أخرجه الإمام أحمد في مسنده (301)/صحيح).
    هذه السنن المذكورة مستحبة وبعضها جاء للتمرين، وهي أحبّ إلينا من سنن الأعاجم.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: وفيه: أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية، وهي زي بني معد بن عدنان، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد، ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى. ("اقتضاء الصراط المستقيم" /1/ص 373).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: هَذَا تَعْلِيم مِنْهُ للفروسية وتمرين للبدن على التبذل وَعدم الرَّفَاهِيَة والتنعم وَلُزُوم زِيّ ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، فَأَمرهمْ بالاتزاز والارتداء والانتعال وإلقاء الخفاف لتعتاد الأرجل الحر والبرد فتتصلب وتقوى على دفع أذاهما.
    وقوله: (وألقوا السراويلات) استغناء عنها بالأزر وهو زي العرب. وبين منفعتي الأزر والسروايل تفاوت من وجه. فهذا أنفع من وجه، وهذا أنفع من وجه. فالإزار أنفع في الحرّ والسروايل أنفع في البرد والسراويل أنفع للراكب والإزار أنفع للماشي.
    وقوله: (وعليكم بثياب أبيكم إسماعيل) هذا يدل على أن لباسه كان الأزر والأردية.
    وقوله: (وإياكم والتنعم وزي العجم) فإن التنعم يخنث النفس ويكسبها الأنوثة والكسل ويكون صاحبه أحوج ما يكون إلى نفسه وما آثره من أفلح.
    وأما زي العجم فلأن المشابهة في الزي الظاهر تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن كما دل عليه الشرع والعقل والحس. ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار([5])، والحيوانات([6])، والشياطين، والنساء، والأعراب وكل ناقص، حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها([7]) أو كثيراً منها الجهال: نهى عن نقر كنقر الغراب([8])، والتفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، وافتراش كافتراش السبع، وبروك كبروك الجمل، ورفع الأيدي يمينا وشمالاً عند السلام كأذناب الخيل([9]).
    ونهى عن التشبه بالشياطين في الأكل والشرب بالشمال وفي سائر خصال الشيطان([10]).
    ونهى عن التشبه بالكفار في زيهم([11]) وكلامهم، وهديهم حتى نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين([12]).
    ونهى عن التشبه بالأعراب وهم أهل الجفاء والبدو فقال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العتمة وإنها العشاء في كتاب الله»([13]).
    ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء([14]).
    وقوله: (عليكم بالشمس فإنها حمام العرب). فإن العرب لم تكن تعرف الحمام ولا كان بأرضهم وكانوا يتعوضون عنه بالشمس فإنها تسخن وتحلل كما يفعل الحمام.
    وقوله: (وتمعددوا) أي: الزموا المعدية وهي عادة معد بن عدنان في أخلاقه وزيه وفروسيته وأفعاله.
    وقوله: (واخشوشنوا) أي: تعاطوا ما يوجب الخشونة ويصلب الجسم، ويصبره على الحر والبرد والتعب والمشاق، فإن الرجل قد يحتاج إلى نفسه فيجد عنده خشونة وقوة وصبراً ما لا يجدها صاحب التنعم والترفه بل يكون العطب إليه أسرع.
    وقوله: (واخلولقوا) هو من قوله اخلولق السحاب بعد تفرقه أي: اجتمع وتهيأ للمطر وصار خليقا له فمعنى (اخلولقوا) تهيئوا واستعدوا لما يراد منكم وكونوا خلقاء به جديرين بفعله، لا كمن ضيع أركان وأسباب فروسيته وقوته فلم يجدها عند الحاجة.
    وقوله: (واقطعوا الركب) إنما أمرهم بذلك لئلا يعتادوا الركب دائماً بالركاب فأحب أن يعودهم الركوب بلا ركب وأن ينزوا على الخيل نزواً.
    وقوله: (ارموا الأغراض) أمرهم بأن يكون قصدهم في الرمي الإصابة لا البعد وهذا هو مقصود الرمي، ولهذا إنما تكون المناضلة على الإصابة لا على البعد.
    (انتهى من "الفروسية" /ص120-123).
    فالخلاصة: أن التشبه بالأعاجم مذموم.
    ومشابهتهم سبب الذمّ من الله ورسوله. عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». (أخرجه البخاري (7320) ومسلم (2669)).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع» ، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك». (أخرجه البخاري (7319)).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمّه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ("الاقتضاء" /1 / ص 170/ مكتبة الرشد).
    فصل: شرعية لبس القميص

    وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم –من لبس القميص والعمامة وغير ذلك- أحب إلينا ولن نبتغي لها بديلاً، إن شاء الله، على أنا لا نحرّم على الناس ما اعتادوه في مجتمعاتهم من اللباس العرفي الذي لا يشتمل على مخالفة لشرع الله.
    عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. (أخرجه أبو داود (4025) والترمذي (1762)/صحيح).
    قال المناوي رحمه الله: (كان أحب الثياب إليه) من جهة اللبس (القميص) أي: كانت نفسه تميل إلى لبسه أكثر من غيره من نحو رداء أو إزار لأنه أستر منهما وأيسر لاحتياجهما إلى حل وعقد بخلافه، فهو أحبها إليه لبساً. ("فيض القدير" /5/ص 82).
    وقال الإمام الشوكاني رحمه الله بعد ذكر حديث: والحديث يدل على استحباب لبس القميص وإنما كان أحب الثياب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أمكن في الستر من الرداء والإزار اللذين يحتاجان كثيرا إلى الربط والإمساك وغير ذلك بخلاف القميص. ويحتمل أن يكون المراد من أحب الثياب إليه القميص لأنه يستر عورته ويباشر جسمه فهو شعار الجسد بخلاف ما يلبس فوقه من الدثار، ولا شك أن كل ما قرب من الإنسان كان أحب إليه من غيره، ولهذا شبه - صلى الله عليه وسلم - الأنصار بالشعار الذي يلي البدن بخلاف غيرهم فإنه شبههم بالدثار، وإنما سمي القميص قميصا لأن الآدمي يتقمص فيه أي يدخل فيه ليستره. ("نيل الأوطار" /2/ص 125).
    وقال شمس الحق آبادي رحمه الله: قيل: وجه أحبية القميص إليه صلى الله عليه وسلم أنه أستر للأعضاء عن الإزار والرداء ولأنه أقل مؤنة وأخف على البدن ولابسه أكثر تواضعاً. ("عون المعبود" /11/ص 48).
    هذه من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وسواء سمّاها الناس جبلية أم غير جبلية فإن ما اختاره الله لنبيه هو الأفضل من اختيارنا وأنفع.
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل في تدبيره لأمر الملبس. وكان من أتم الهدي، وأنفعه للبدن، وأخفه عليه، وأيسره لبسا وخلعا، وكان أكثر لبسه الأردية والأزر، وهي أخف على البدن من غيرها، وكان يلبس القميص، بل كان أحب الثياب إليه. وكان هديه في لبسه لما يلبسه أنفع شيء للبدن، فإنه لم يكن يطيل أكمامه ويوسعها، بل كانت كم قميصه إلى الرسغ لا يجاوز اليد فتشق على لابسها، وتمنعه خفة الحركة والبطش، ولا تقصر عن هذه فتبرز للحر والبرد، وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فتنكشف ويتأذى بالحر والبرد، ولم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي الرأس حملها، ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات، كما يشاهد من حال أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطا بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، وفي ذلك فوائد عديدة: فإنها تقي العنق الحر والبرد، وهو أثبت لها، ولا سيما عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضا عن الحنك، ويا بعد ما بينهما في النفع والزينة، وأنت إذا تأملت هذه اللبسة وجدتها من أنفع اللبسات وأبلغها في حفظ صحة البدن وقوته، وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن. ("زاد المعاد في هدي خير العباد" /4/ص217-218).
    فصل: شرعية لبس العمامة

    عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء. (أخرجه مسلم (1358)).
    قال أبو الطيب آبادي رحمه الله: والحديث يدل على استحباب لبس العمامة السوداء. ("عون المعبود" /11/ ص87).
    وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله: قوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه دليل على مشروعية العمامة السوداء. ("تحفة الأحوذي" /5/ص 335).
    وقال النووي رحمه الله: قوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لباس الثياب السود وفي الرواية الأخرى خطب الناس وعليه عمامة سوداء فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه كما ثبت في الحديث الصحيح خير ثيابكم البياض وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانا للجواز والله أعلم قوله. ("شرح صحيح مسلم" /9/ص133).
    وعن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه. (أخرجه مسلم (1359)).
    قال الإمام الشوكاني رحمه الله: والحديث يدل على استحباب لبس العمامة، -إلى قوله:- الحديث أيضا يدل على استحباب إرخاء العمامة بين الكتفين. ("نيل الأوطار" /2/ص 126).
    وقال الطيبي رحمه الله: فيه أن لبس الزينة يوم الجمعة والعمامة السوداء، وإرسال طرفيها بين الكتفين سنة. (كما في "مرقاة المفاتيح" /لعلي القاري/3/ص 1045).
    وقال أبو الطيب آبادي رحمه الله: والحديث يدل على استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين. ("عون المعبود" /11/ ص87).
    وهو كما قالا، غير أن العمامة البيضاء هي الأولى بنصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل البياض.
    قال علي القاري رحمه الله: وأفتى ابن عبد السلام: بأن المواظبة على لبس السود بدعة، وأول من أحدث لبسه في الجمع والأعياد بنو العباس في خلافتهم، محتجين بأن الراية التي عقدت لجدهم العباس يوم الفتح وحنين كانت سوداء. قال ابن هبيرة: ولأنه أبعد الألوان من الزينة، وأقربها إلى الزهد في الدنيا، ولذلك يلبسه العباد والنساك. ("مرقاة المفاتيح" /لعلي القاري/3/ص 1045).
    وهناك نصّ صريح في العمامة البيضاء:
    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: -وذكر حديثاً طويلاً إلى قوله:- ثم أمر عبدَ الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية أمره عليها، فأصبح قد اعتمّ بعمامة كرابيس سوداء، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنقضها، فعممه، وأرسل من خلفه أربع أصابع، ثم قال: «هكذا يابن عوف فاعتم، فإنه أعرب وأحسن» الحديث. (أخرجه الحاكم في "المستدرك" (كتاب الفتن والملاحم/(8688)/دار الحرمين) والبزار في مسنده (6175) والطبراني في مسند الشاميين (1558)، وقال الإمام الألباني رحمه الله في "الصحيحة" ((1384)/مكتبة المعارف): فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن. وحسنه أيضا الإمام الوادعي رحمه الله في "الجامع الصحيح في القدر" /خصال خمس/ص431/مكتبة صنعاء الأثرية).
    قال الإمام مالك رحمه الله: العمة والاحتباء والانتعال من عمر العرب، وليس ذلك فى العجم وكانت العمة فى أول الإسلام، ثم لم تزل حتى كان هؤلاء القوم. قال ابن وهب: وحدثنى مالك أنه لم يدرك أحدا من أهل الفضل: يحى بن سعيد، وربيعة، وابن هرمز إلا وهم يعتمون، ولقد كنت فى مجلس ربيعة، وفيه أحد وثلاثون رجلا مامنهم رجل إلا وهو معتم وأنا منهم، ولقد كنت أراهم يعتمون فى العشاء والصبح، وكان ربيع لا يدع العمامة حتى يطلع الثريا، وكان يقول: إني لأجد العمامة تزيد في العقل. (كما في "شرح صحيح البخارى" /لابن بطال /9/ص 89).
    وقال الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله: إن أفضل زي ما يلبس في الرأس العمائم وهي تيجان العرب. ("المنتقى شرح الموطإ" /7/ص 219).
    وقال ابن رسلان في "شرح السنن" عند ذكر حديث عبد الرحمن: وهي التي صارت شعار الصالحين المتمسكين بالسنة، يعني إرسال العمامة على الصدر. (نقله الإمام الشوكاني رحمه الله في "نيل الأوطار" /2/ص127).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله نقلاً عن شيخه أبي القاسم: إن العمائم تيجان العرب وعزها على سائر الأمم من سواها، ولبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، فهي لباس العرب قديما، ولباس رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، فهي لباس الإسلام. –ثم ذكر بعض الأدلة الدالة على عمامة رسول الله، ثم قال:- وهذا - وإن كان إخبارا بالواقع - فإنه إرشاد إلى المشروع. ("أحكام أهل الذمة" /3/ص1267-1271).
    وقال الإمام ابن بطال رحمه الله: والعمائم تيجان العرب وهى زيهم. ("شرح صحيح البخاري" /لابن بطال /9/ص 89).
    وقد سئل فضيلة شيخنا الإمام العلامة يحيى بن علي الحجوري حفظه الله: هل العمامة من السنة أم هي من عادات العرب؟
    فأجاب حفظه الله: هي من عادات العرب. والذي يلبسها بقصد التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤجر، وهي من الزينة التي ينبغي العمل بها، لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ]الأعراف: 31[ ولحديث: »إن الله جميل يحب الجمال«، والزهري رحمه الله يقول: العمائم تيجان العرب.
    (انتهى من "شذرات من أوائل دروس فضيلة الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله تعالى"/"الكنز الثمين").
    سواء كانت العمامة سنة أو عادة فإنها أحب إلينا من سنة الأعاجم. ومن قال إنها مكروهة في بلاد الأعاجم التي لم يتعود أهلها بها قد أخطأ وأبعد عن الصواب، والله يغفر له.
    ولم نجد دليلاً صريحاً صحيحاً على فضيلة لبس العمامة، ولكنه من سنة رسول الله، أو على الأقلّ هو من سنة العرب القدماء. وسنة العرب المستقرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من سنن الأعاجم.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: والمقصود هنا: أن ما ذكرته من النهي عن التشبه بالأعاجم: إنما العبرة بما كان عليه صدر الإسلام، من السابقين الأولين، فكل ما كان إلى هداهم أقرب فهو المفضل، وكل ما خالف ذلك فهو المخالف، سواء كان المخالف لذلك اليوم عربي النسب، أو عربي اللسان، وهكذا جاء عن السلف. ("اقتضاء الصراط المستقيم" /1/ص456-457).
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم؛ دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار، قديما وحديثا، ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون، مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها. ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس، إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها. ومن نقص من العرب إنما هو بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم. ("اقتضاء الصراط المستقيم" /1/ص449).
    فصل: غربة السنة وفوز أهلها

    ولا شك أن أن هذه السنن النبوية تزداد غربة عند تمكن الجهل واختفاء العلم الشرعي، وصار أهلها في شدة الغربة بين أظهر المسلمين أنفسهم.
    قال الإمام الآجري رحمه الله في حال المؤمن السني: ... غريباً في جميع أمور الدنيا والآخرة لا يجد على ذلك مساعدا يفرح به ولا مؤانسا يسكن إليه ، فمثل هذا غريب مستوحش لأنه صالح بين فساق، وعالم بين جهال ، وحليم بين سفهاء ، يصبح حزينا ، ويمسي حزينا ، كثير غمه قليل فرحه ، كأنه مسجون كثير البكاء كالغريب الذي لا يعرف ولا يأنس به أحد ، يستوحش منه من لا يعرفه. فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وسيعود غريبا كما بدأ» والله أعلم.
    قلت –الآجري رحمه الله-: فلو تشاهده في الخلوات يبكي بحرقة ، ويئن بزفرة ، ودموعه تسيل بعبرة ، فلو رأيته وأنت لا تعرفه لظننت أنه ثكلى قد أصيب بمحبوبه ، وليس كما ظننت ، وإنما هو خائف على دينه أن يصاب به ، لا يبالي بذهاب دنياه إذا سلم له دينه ، قد جعل رأس ماله دينه يخاف عليه الخسران.
    (انتهى من "الغرباء"/للآجري/ص 26).
    ولكن هذه الغربة فلاح وفوز لأنها كانت في ذات الله.
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء». (أخرجه مسلم ((145)/دار الكتاب العربي)).
    قال القرطبي رحمه الله: وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، ومما يشهد لهذا قوله عليه السلام: «بدأ الاسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء». ("الجامع لأحكام القرآن"/4/ص172).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فأهل الإسلام في الناس غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز و جل فيهم: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ ]الأنعام: 116[، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه –إلى قوله:- فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله أهلها وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وأنه سيعود غريباً كما بدأ، وأن أهله يصيرون غرباء .
    وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم. ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم: «فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده»([15]). فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه. ("مدارج السالكين"/3/ص157-158/دار الحديث).
    عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه مرفوعا: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك - يعني بنفسك - ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» ([16]).
    فالمتبع للسنة أطاع الله ورسوله. فإذا استغرب الناس من بعض السنن التي لم يعرفوها فليس اللوم على من أحياها، وإنما اللوم على الذين أماتوها قبل ذلك فصارت غريبة فإذا قام واحد بإحيائها ثبطوه وذموه وقالوا: (عمل شهرة!).
    قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ولما دخل محمد بن واسع سيد العباد في زمانه على بلال بن أبي بردة أمير البصرة، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟ فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة. ("سراج الملوك" /للطرطوشي/ص 27).
    فليس الهلاك بإحياء السنن، وإنما الهلاك بإماتتها واعتياضها بطريقة أهل الأهواء.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين، يعتاض عنه بما عند هؤلاء، وهذا سبب ظهور البدع في كل أمة، وهو خفاء سنن المرسلين فيهم، وبذلك يقع الهلاك. ("مجموع الفتاوى"/4 /ص137).
    وقال الإمام ابن الوزير رحمه الله: وزاد الحقَّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين مع قلّتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام. وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق ولا برح المحقّ عدواً لإكثر الخلق. ("إيثار الحق على الخلق"/ص 141).



    الباب الثالث: أهل السنة أحقّ بسنة رسول الله من زمرة أهل البدعة

    لنا جواب آخر عن أصل المسألة، وهو: أن لبس العمامة ليس غريباً مطلقاً في هذا البلد، وقد لبسها كثير من مشايخ الصوفية وبعض رؤوس العقلانية دهراً طويلاً بلا إنكار، بل لبسها بعض أئمة المساجد بلا نكير من المسلمين سنين طويلاً. فعلام يتدهور بعض أهل السنة في هذا البلد في هذه السنة مع أن هؤلاء المبتدعة وغيرهم يتمتعون بها ويعتزّون بها في هذا البلد؟
    بل أهل السنة والجماعة أحقّ بها وأهلها. وكلما كان الإنسان أكثر علماً وإيماناً واتباعاً للحق كان أولى من غيرهم بالأنبياء وسننهم المستقرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة - وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة - فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات؛ باطنا وظاهرا. ("مجموع الفتاوى" /5/ص 111).
    واعلم أننا لا نوجب ما ليس بواجب، وإنما هذه الرسالة ردٌّ على من حكم بكراهة لبس العمامة ونحوها من لباس النبي صلى الله عليه وسلم في الدول الأعجمية بعلة أنها من ثياب الشهرة. فكلامه مردود عليه كائناً من كان.
    ولهذا نقول كما قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].
    قال الإمام الحافظ محمد بن علي الكرجي القصاب رحمه الله في تفسير هذه الآية: حجة بينة في نفي التقليد؛ لأن الهاء في (دونه) لا تخلو: إما أن تكون راجعة على الرب أو على التنزيل، وقد نهى عن اتباع غيره كما ترى. ("نكت القرآن الدالة على البيان"/1/ص407/دار ابن عفان).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في معنى الآية: فأمر باتباع المنزل منه خاصة، وأعلم أن من اتبع غيره فقد ابتع من دونه أولياء. ("إعلام الموقعين"/1/ص 48).
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه قال : «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي -صلى الله عليه و سلم-». (أخرجه الطبراني/"المعجم الكبير"/رقم (11941)/صحيح).
    وقال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله: ذكرنا في كتاب المدبر: أن الشافعي له ثلاث كلمات ما تكلم بها أحد في الإسلام قبله، ولا تفوه بها أحد بعده، الأولى: سمعت ابن خزيمة، يقول: سمعت المزني، يقول: سمعت الشافعي، يقول: إذا صح لكم الحديث، فخذوا به، ودعوا قولي.
    الثانية: سمعت ابن المنذر، يقول: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني، يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ.
    الثالثة: سمعت موسى بن محمد الديلمهي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: وددت أن الناس لو تعلموا هذه الكتب، ولم ينسبوها إلي.
    (انتهى من "آداب الشافعي ومناقبه"/لابن أبي حاتم/ص 247-248).
    وقال الإمام الوادعي رحمه الله: اسمعوا اسمعوا فتوى أكبر واحد عندي تخالف الدليل لا قيمة لها. وفتوى أصغر منكم و معه دليل على العين والرأس حتى لا تخوفني بفتوى فلان ولا فلان. بل أنا خصم فلان ما كان الذي يخرج فتاوى زائغة فأنا خصمه. ("غارة الأشرطة"/1/ص46/مكتبة صنعاء الأثرية).
    فطريقة السلف هو معيار الحق، وآراء الخلف ليست صحيحة إذا خالفت منهج السلف.
    قال الإمام مالك رحمه الله: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. (كما في "المبسوط" لإسماعيل بن إسحاق/نقله القاضي عياض رحمه الله في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"/2/ص88).
    وقد ثبت أن الإمام الأوزاعي رحمه الله قال: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك بالقول. ("الـشريعة" /للآجري /ص67/دار الكتاب العربي/صحيح).
    وفي رواية الهروي رحمه الله: قال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها بالقول، فإن الأمر ينجلي حين ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم. ("أحاديث في ذم الكلام وأهله" /رقم (317)).

    الباب الرابع: وجوب الثبات على الصراط المستقيم

    قد أخبر الله تعالى عن أهمية الثبات على صراطه المستقيم فقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام/125، 126]
    وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف/43، 44]
    وقال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام/153]
    وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ الله مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى/15]
    فالناس في غاية من الافتقار إلى الهداية إلى الصراط المستقيم. وقد أوجب الله عباده المؤمنين أن يسألوه إياها في كل ركعة في صلواتهم الخمس. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وقوله : «اهدنا الصراط المستقيم» يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته . وقوله : «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل . ("الفوائد" /ص 40/مكتبة دار البيان).
    ومن أجل هذه الغاية السامية كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه الشهير العديم النظير – في بابه- "اقتضاء الصراط المستقيم" فقال: وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم ، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف. ("الاقتضاء" /1 / ص 92/مكتبة الرشد).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب : من اعتقادات ، وإرادات ، وغير ذلك ، وأمور ظاهرة : من أقوال ، أو أفعال قد تكون عبادات ، وقد تكون أيضا عادات في الطعام واللباس ، والنكاح والمسكن ، والاجتماع والافتراق ، والسفر والإقامة ، والركوب وغير ذلك . ("اقتضاء الصراط المستقيم" /1 / ص 92).
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمرّ كالبرق ومنهم من يمرّ كالطرف ومنهم من يمرّ كالريح ومنهم من يمرّ كشدّ الركاب ومنهم من يسعى سعياً ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يحبوا حبواً ومنهم المخدوش المسلّم ومنهم المكردس في النار فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا حذو القذة بالقذة ﴿جزاءً وفاقاً﴾ ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾
    ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك ﴿وما ربّك بظلّام للعبيد﴾.
    (انتهى من "مدارج السالكين" /1/ص15/دار الحديث).


    الباب الخامس: أهمية مخالفة سبيل الكفار

    قد اختار الله تعالى هذا الدين الإسلامي لعباده فلا يرضى لهم إلا هو، وأخبر أن من اختار غيره كان من الخاسرين. وقد جعل الشرف والعزّ لمن استمسك بهذا الدين الإسلامي وجعل الذلة والصغار على من ابتغى غيره. ونهى عباده المسلمين عن مشابهة الكفار حفاظا على عزّهم وشرفهم، وحماية لهم من حصول الذلة والهوان عليهم. ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون﴾ [يوسف: 38].
    ثم قلة شكر بعض الناس لهذه النعمة العظيمة تجرئهم في مشابهة الكفار، بل دعوتهم الناس إليها إما بعلة الحضارة، وإما بعلة عموم البلوى وإما اتباع للهوى.
    فلا بد من تنبيه المسلمين على أهمية مخالفة الكفار، وتذكيرهم ببعض الحِكَم البديعة في عدم سلوك دأب أهل النار.
    سأذكر بعض الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال بعض الأئمة –كشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهما- ما يتعلق بهذا الموضوع، وأراعي الاختصار وعدم التطويل في ذكر الموضوع من أجل تسهيل الفهم وتيسير الإبلاغ.
    إن الأدلة القرآنية والنبوية تدل على عظم شأن مخالفة طريقة الكفار. ومن أهمية تلك المخالفة –وفي مضمونها خطر مشابهتهم-:
    (1) السلامة من اتباع أهوائهم. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِين﴾ [الجاثية/18، 19]
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقد دخل في الذين لا يعلمون : كل من خالف شريعته. وأهواؤهم : هو : ما يهوونه ، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر ، الذي هو من موجبات دينهم الباطل ، وتوابع ذلك ، فهم يهوونه ، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه إلخ ("الاقتضاء" /1 / ص 98/ مكتبة الرشد).
    (2) إغاظة الكفار. قال شيخ الإسلام رحمه الله: يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسُرّون به ("اقتضاء"/1 / ص 98/ مكتبة الرشد).
    قلت –وفقني الله-: إذا كان الكفار يفرحون بموافقة المسلمين لهم، فمخالفتهم إغاظة لهم.
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، أحدها قوله: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة﴾ سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً يراغم به عدو الله وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ وقال تعالى في مثل رسول الله وأتباعه: ﴿ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له فموافقته فيها من كمال العبودية. وشرع النبي للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال: «إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان»([17]) وفي رواية «ترغيماً للشيطان»([18]) وسماها المرغمتين([19]).
    فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر.
    حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز و جل. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول. وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. اهـ ("مدارج السالكين" /1 / ص 316-317/منزلة التوبة/مكتبة الرشد).
    (3) ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم ، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها. ("الاقتضاء" / 1 / ص 98).
    (4) وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره ، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه ("اقتضاء الصراط المستقيم" /1 / ص 98/مكتبة الرشد).
    (5) موافقتهم سبب لعدم موالاة الله ووقايته لفاعله. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاق﴾ ("الاقتضاء" /1 / ص 99/ مكتبة الرشد).
    (6) موافقتهم سبب الضلالة لقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾ فيه دليل على أن ملة اليهود والنصارى ليسوا على الهدى، فمن اتبعهم فقد زاغ على الهدى وسقط في الضلال.
    (7) موافقتهم سبب لعدم نصر الله لفاعله. ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾ الآية.
    (8) موافقتهم تعتبر ظلمًا. قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
    (9) مخالفتهم سلاح المؤمنين لقطع حجة أهل الكتاب عليهم. قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة﴾. الآية
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال غير واحد من السلف: معناه : لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة ، فيقولون : قد وافقونا في قبلتنا ، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة ، إذ الحجة : اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل. ("الاقتضاء"/1 / ص 99/ مكتبة الرشد).
    وقال رحمه الله: فبيّن سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم ، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل ، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة ، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة .("الاقتضاء" /1 / ص 100-101/ مكتبة الرشد).
    (10) البعد عن الوقوع في المشابهة هو عين المصلحة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها ، وهذه مصلحة جليلة . ("الاقتضاء " /1 / ص 101/ مكتبة الرشد).
    (11) من وافقهم فهو متوعد بالعذاب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ قال شيخ الإسلام رحمه الله: وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين ، والذين لا يعلمون. ("الاقتضاء" / 1/ ص 102/ مكتبة الرشد).
    (12) التشبه بهؤلاء الهالكين سبب الهلاك. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال : «إني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها » وفي رواية: «ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا ، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» ]أخرجه البخاري (الرقاق/باب في الحوض/(6590)) ومسلم (الفضائل/باب إثبات حوض نبينا/(2296)) واللفظ له[.
    وفي حديث عمرو بن عوف قصة مال البحرين: «أبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم ، كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم » ]أخرجه البخاري (الرقائق/باب ما يحذر .../(6425)) ومسلم (الزهد والرقائق/باب الدنيا سجن المؤمن/(2961))[.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يخاف فتنة الفقر ، وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها ، وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية([20]). ("الاقتضاء" /1 / ص 127/ مكتبة الرشد).
    (13) مشابهتهم سبب الذمّ من الله ورسوله. عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». (أخرجه البخاري (7320) ومسلم (2669)).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع» ، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك». (أخرجه البخاري (7319)).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمّه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ("الاقتضاء" /1 / ص 170/ مكتبة الرشد).
    (14) مشابهة الكفار تحقيق لأمانيهم من المسلمين. بعد أن ذكر تفاسير قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ الآية، قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهذا كله يبيّن أن هذه الكلمة نُهي المسلمون عن قولها؛ لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم . ("الاقتضاء" /1 / ص 175/ مكتبة الرشد).
    (15) مشابهة المسلمين للكفار سبب لمخالفة المسلمين هدي الرسول صلى الله عليه وسلم. في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ قال شيخ الإسلام رحمه الله: فقول القائل: لست من هذا في شيء، أي لست مشاركاً له في شيء، بل أنا متبرّئ من جميع أموره. وإذا كان قد برأ الله رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع أمورهم؛ فمن كان متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة كان متبرّئاً كتبرّئه، ومن كان موافقاً لهم كان مخالفاً للرسول بقدر موافقته لهم ، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، كلما شابهت أحدهما؛ خالفت الآخر. ("الاقتضاء" /1 / ص 176-177/ مكتبة الرشد).
    (16) مشابهة المسلمين الكفار سبب الخروج من دائرة بشارة الله بالغلبة. ذلك لأن التشبه بهم سبب الموالاة لهم وموادّتهم، وذلك ليس من سِيما حزب الله الذين وعدهم الله بالغلبة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ ونظائر هذا في غير موضع من القرآن. قال شيخ الإسلام رحمه الله: يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقاً - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا يوادّونهم . والموالاة والموادة : وإن كانت متعلّقة بالقلب ، لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم . ("الاقتضاء"/1 / ص 183/ مكتبة الرشد).
    (17) وعلى وجه آخر: مخالفة الكفار من عوامل الظهور عليهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون»([21]). (رواه أبو داود (2353)) . قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى. وإذا كان مخالفتهم سببا لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله ، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة. ("الاقتضاء"/1/ ص 209/ مكتبة الرشد).
    (18) مخالفة الكفار سبب صلاح المؤمنين وسلامتهم، وحصول النفع لهم. لأن في مخالفتهم من أصحاب الجحيم يعينهم على مباينة أصحاب المرض ومباعدتهم من أعظم أسباب النجاة من ذلك المرض الذي أضرّ من أمراض الأبدان. (1/ ص 197-198/ مكتبة الرشد).
    (19) مخالفة الكفار سبب كمال المؤمنين. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وليس شيء من أمورهم إلا وهو إمّا مضرّ أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها ، ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط ، فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورهم حتى ما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم قد يكون مضرًّا بأمر الآخرة أو بما هو أهمّ منه من أمر الدنيا لمخالفة فيه صلاح لنا. ("الاقتضاء"/1 / ص 198/ مكتبة الرشد).
    (20) تنبيه مهمّ: قال شيخ الإسلام رحمه الله: وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب وأشدّ ومتى كان القلب مريضاً لم يصحّ شيء من الأعضاء صحة مطلقة ، وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره ، وإن خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله – إلى قوله: - وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم منفعة بها. ("الاقتضاء" /1 / ص 198-199/ مكتبة الرشد).
    (21) مخالفة الكفار سبب السلامة من غضب الله عز وجل. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». (أخرجه البخاري (الديات/باب من طلب بدم امرئ/(6882)/دار الكتاب العربي)).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث. والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة ، أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لتتبعن سنن من كان قبلكم»([22]) والاتباع هو الاقتفاء والاستنان ، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية ، وهذا نصّ عامّ يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم. ("الاقتضاء"/1/ ص 254/مكتبة الرشد).
    وليس المراد بالجاهلية هي مجرّد أعمال العرب قبل البعثة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية. ("الاقتضاء" /1 / ص 258/ مكتبة الرشد).
    وقال رحمه الله: فقوله في هذا الحديث : «ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية»([23]) يندرج فيه كل جاهلية مطلقة، أو مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد. ("الاقتضاء"/1 / ص 259-260).
    (22) مخالفة أصحاب الجحيم أسلم من الإلحاق بهم في الحكم. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ومن تشبه بقوم فهو منهم»([24]) قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا إسناد جيد. وقال رحمه الله: وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾- إلى قوله: - وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه ("الاقتضاء"/1 / ص 270-271/ مكتبة الرشد).
    وقال رحمه الله: ومعلوم أن المشابهة للشيء لابد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة. ("مجموع الفتاوى" /32 / ص 259).
    (23) مخالفة أصحاب الجحيم أسلم من الهلاك. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([25]).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: وذلك يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقاً أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكاً. ("الاقتضاء" /1 / ص 329/ مكتبة الرشد).
    (24) قال شيخ الإسلام رحمه الله: فقد تبين لك : أن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي : التشبه بالكافرين، كما أن من أصل كل خير : المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار، فكيف إذا جمعت الوصفين؟ ("الاقتضاء"/ 1 /ص 198/ مكتبة الرشد).
    (25) ولما كان الكمال لا يحصل إلا بترك النقائص شرعت مخالفة أصحابها من الأعراب والأعاجم وأهل الكتاب، وأهل البدع، ونحو ذلك من جميع البهائم في خصائصهم-، قال شيخ الإسلام رحمه الله: يؤيد هذا: الوجه الرابع: وهو قوله صلى الله عليه و سلم في الصحيح: «العائد في هبته كالعائد في قيئه ليس لنا مثل السوء»([26]) ، ولهذا يذكر أن الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقال له الشافعي: الكلب ليس بمكلف فقال له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث فإن النبي لم يذكر هذا المثل إلا ليبيّن أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموما وإن لم يكن الكلب مذموماً في ذلك من جهة التكليف ولهذا ليس لنا مثل السوء والله سبحانه قد بيّن بقوله: ﴿ساء مثلًا﴾ إن التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزّه عن مثل السوء فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموماً بقدر ذلك المثل السوء. ("مجموع الفتاوى"/32 /ص 258).
    وقال رحمه الله: وبالجملة فالتشبه بالشيء يقتضي من الحمد والذم بحسب الشبه لكن كون المشبه به غير مكلف لا ينفي التكليف عن المتشبه كما لو تشبه بالأطفال والمجانين والله سبحانه أعلم. ("مجموع الفتاوى" /32 / ص 259/ مكتبة ابن تيمية).
    وقد تكلم أيضاً العلماء في مشروعية مخالفة المبتدعة. قال الإمام النووي رحمه الله في الصلوات: أجمعوا على الصلاة على نبيّنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم، وكذلك أجمع من يُعتدّ به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالاً. وأما غيرُ الأنبياء، فالجمهور على أنه لا يُصلّى عليهم ابتداء، فلا يقال: أبو بكر صلى الله عليه وسلم. واختُلف في هذا المنع، فقال بعض أصحابنا: هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأوْلَى وليس مكروهاً، والصحيحُ الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم. ("الأذكار"/للنووي/ص 113/دار العواصم).
    وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: وروي عن أحمد أنه قال: المسح أفضل. يعني من الغسل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما طلبوا الفضل. وهذا مذهب الشافعي، والحكم، وإسحاق؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه»([27]) ، «وما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، إلا اختار أيسرهما([28])» ؛ ولأن فيه مخالفة أهل البدع([29]). ("المغني" /لابن قدامة/1/ص 206).
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك؛ لأن هذا كان من شعار الرافضة. ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين، كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور؛ لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع. ("مجموع الفتاوى"/22/ص 423).
    وقال العلامة المقري رحمه الله: تجب مخالفة أهل البدع فيما عرف كونه من شعارهم الذي انفردوا به عن جمهور أهل السنة وإن صح مستندهم فيه خبر –إلى قوله:- ومستند الجماعة مثله أو أصح منه. ثم فيه مع صيانة العرض القيام مع أهل الحق والردع لأهل الباطل، ... إلخ. ("القواعد"/2/ص548/نقله سليمان بن عبد الله في تعليقه على "القواعد الفقهية" للسعدي (ص101)).
    وقال الإمام السعدي رحمه الله: بل أهل البدع يشرع مخالفتهم. كما يكره تخصيص الجبهة على شيء يسجد عليه مخالفة للرافضة، وكذلك تخصييص عليّ وأهل البيت بالصلاة عليهم يُمنَع منها مخالفةً لهم. ("القواعد الفقهية"/للسعدي/ص101).
    (26) ومما يدل على عظم شأن مخالفة أصحاب الجحيم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ]أخرجه البخاري (الأحاديث الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل/ (3462)) ومسلم (اللباس/باب في مخالفة اليهود/ (2103))[
    وغير ذلك من أدلة الأمر بتغيير لون الشيب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا اللفظ دل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى ، ولهذا كان هذا التشبه يكون محرما بخلاف الأول. ("الاقتضاء"/1 / ص 303/ مكتبة الرشد).
    هذا آخر من سطرته من بعض حِكم مخالفة سبيل أهل النقص والكفر، عسى الله أن ينفعنا به والمسلمين.
    والله تعالى أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين.
    منطقة قدح ماليزيا، 3 صفر 1437 هـ



    ([1]) سورة آل عمران: (102).

    ([2]) سورة النساء: (1).

    ([3]) سورة الأحزاب: (70-71).

    ([4]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة». (أخرجه البخاري (5789) ومسلم (2088)).
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». (أخرجه البخاري (3485)).

    ([5]) قد مر بنا ذكر بعض الأدلة على ذلك، وسيأتي المزيد إن شاء الله.

    ([6]) من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].

    ([7]) قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة. ("سبل السلام"/2 /ص164).

    ([8]) عن عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى في الصلاة عن ثلاث نقر الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المقام الواحد كإيطان البعير. (أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (15572)).
    في سنده تميم بن محمود الليثي، قال فيه البخاري: في حديثه نظر. ذكره بن الحبان في الثقات وأخرج هو وابن خزيمة والحاكم حديثه في صحاحهم وذكره العقيلي والدولابي وابن الجارود في الضعفاء. وقال العقيلي: لا يتابع عليه. ("تهذيب التهذيب"/1 /ص451).
    ومثل هذا لا يصلح للشواهد.
    وجاء من حديث أبي هريرة، كما أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (5275) من طريق ليث بن أبي سليم عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي وصفيي صلى الله عليه و سلم بثلاث ونهاني عن ثلاث أمرني بركعتي الضحى وأن لا أنام إلا على وتر وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونهاني إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد أو أنقر نقر الغراب أو ألتفت التفات الثعلب.
    ليث بن أبي سليم ليّن الحديث، وحبيب بن أبي ثابت ثقة مدلس وقد عنعن.
    ولكل فقرة منها شاهد من الأحاديث الصحاح.

    ([9]) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة». (أخرجه مسلم (430)).

    ([10]) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». (أخرجه مسلم (2020)).

    ([11]) عن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب». (أخرجه البخاري (5892) ومسلم (259)).

    ([12]) عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه: ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله. أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». الحديث. (أخرجه مسلم (832)).

    ([13]) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل». (أخرجه مسلم (644)).

    ([14]) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. (أخرجه البخاري (5885)).

    ([15])أخرجه البخاري (4581) ومسلم (183) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

    ([16]) أخرجه أبو داود ((4341)/ط. الرسالة)، والترمذي (3058)، وابن ماجه (4014) وغيرهم.
    في سنده عمرو بن جارية ، وأبو أمية الشعباني كلاهما مجهولا الحال.
    وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ، ويمسي كافرا ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر ، أو قال : على الشوك». (أخرجه أحمد (9073)، وابن عساكر (9408)).
    في سنده ابن لهيعة، سيء الحفظ مدلس.
    وله شاهد من حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه مرفوعا: «إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم» قالوا: يا نبي الله أومنهم؟ قال: «بل منكم». (أخرجه المروزي في "السنة" رقم (32)، والطبراني في "الأوسط" (3121)).
    في سنده إبراهيم بن أبي عبلة عن عتبه بن غزوان، ولم يسمع منه.
    فالحديث حسن لغيره.
    وفي الباب:
    حديث عن عبد الله بن مسعود، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إن من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا»، فقال عمر: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: «منكم». (أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (10240)).
    في سنده سهل بن عثمان البجلي، والصواب سهل بن عامر البجلي كما في "مسند البزار" (1776)، وهو منكر الحديث.
    وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». (أخرجه الترمذي (2260) وابن عساكر في "معجم الشيوخ" (710)).
    وفي سنده عمر بن شاكر، قال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث يروى عن أنس المناكير. ("الجرح والتعديل" رقم (619)).
    وقال ابن عدي رحمه الله: عمر بن شاكر يحدث عن أنس بنسخة قريبا من عشرين حديثا غير محفوظة. ثم ذكر أحاديث منها: حديث أجر خمسين منكم. ("الكامل" (1229)).

    ([17]) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (كتاب الصلاة /باب سجود السهو/ (2667)/الإحسان/مؤسسة الرسالة)، وابن ماجه (كتاب الصلاة/ما جاء فيمن شك .../ (1210)/دار السلام) عن أبي سعيد الخدري رصي الله عنه، بسند حسن.

    ([18]) أخرجه مسلم في "صحيحه" (المساجد ومواضع الصلاة /باب السهو في الصلاة/ (571)/دار الكتاب العربي) عن أبي سعيد الخدري رصي الله عنه.

    ([19]) ضعيف، أخرجه أبو داود (الصلاة/باب إذا شك في الثنتين/(1025)) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
    جميع رواته ثقات إلا عبد الله بن كيسان، وهو أبو مجاهد المروزي، يروي عن عكرمة، قال الذهبي رحمه الله: قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي. ("ميزان الاعتدال" /رقم (4527) /دار إحياء الكتب العربية).

    ([20]) وهي قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِم﴾ [التوبة: 69].

    ([21]) أخرجه أبو داود فقال: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد - يعنى ابن عمرو - عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال به. (كتاب الصيام/باب ما يستحب من تعجيل الفطر/ (2353)/دار السلام).
    وهب بن بقية، هو أبو محمد الواسطي المعروف بـ: وهبان. ثقة . ("تهذيب التهذيب" /4/ص328/الرسالة).
    وخالد هو ابن عبد الله الواسطي الطحان، وثقه أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، كما في "الجرح والتعديل" (رقم (1536)/دار الفكر).
    محمد بن عمرو هو ابن علقمة، أبو عبد الله الليثي، حسن الحديث وله أوهام. ("تهذيب التهذيب" /3/ص662 /الرسالة).
    فالحديث حسن، والحمد لله.

    ([22]) عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». (أخرجه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء /باب ما ذكر عن بني إسرائيل/ (3456)/دار الكتاب العربي) ومسلم (كتاب العلم/باب اتباع سنن اليهود.../(2669)/دار السلام)).

    ([23]) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه». (أخرجه البخاري (كتاب الديات/باب من طلب دم امرئ.../(6882)/دار الكتاب العربي)).

    ([24]) الحديث صحيح، أخرجه أبو داود (كتاب اللباس/باب في لبس الشهرة/ (4026/(العون/دار الحديث). راجع كلام الإمام الألباني رحمه الله في "إرواء الغليل" (رقم 1269 / ط. المكتب الإسلامي).

    ([25]) الحديث صحيح، أخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ، فقال: حدثنا علي بن محمد ، حدثنا أبو أسامة عن عوف عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما به. (كتاب المناسك /باب قدر حصى الرمي/(3029)/دار السلام).
    علي بن محمد هو ابن إسحاق، أبو محمد الطنافسي، ثقة ("تهذيب التهذيب"/3/ص19/الرسالة).
    أبو أسامة هو حماد بن أسامة، ثقة معروف.
    عوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي، ثقة، رمي بالقدر والتشيع. ("ميزان الاعتدال" /(6536)/دار الكتب العلمية).
    زياد بن الحصين، هو ابن قيس الحنظلي اليربوعي، ثقة من رجال مسلم. ("تهذيب التهذيب" /1/ ص645/الرسالة).

    ([26]) أخرجه البخاري (الهبة وفضلها /باب لا يحل لأحد أن يرجع.../ (2622)/دار الكتاب العربي) ومسلم (الهبات / باب تحريم الرجوع في الصدقة/ (1622)/دار السلام)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

    ([27]) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». (أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (5866) وابن حبان (2742) والطبراني في الأوسط (5302)، وهو حديث صحيح).

    ([28]) عن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. (أخرجه البخاري (3560) ومسلم (2327)).

    ([29]) لا شك أن الصحيح في مسألة المسح على الخفين عدم تكلف نزع الخفّين إذا كان لابساً لهما، وعدم تكلف لبسهما إذا كان حافياً. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل قاله شيخنا والله أعلم. ("زاد المعاد"/1 /ص192).
    ولكن الشاهد هنا: أن الأئمة كانوا يهتمّون مخالفة سبيل المبتدعة.

  • #2
    جزى الله خيرا أخانا الفاضل أبا فيروز
    على هذه الرسالة الطيبة النافعة بإذن الله
    رسالة تستحق النشر،لذا سأحاول تحويلها
    إلى صيغةpdf وتنزيلها برابط مباشر
    ليعم النفع-إن شاء الله-

    تعليق


    • #3
      حمل الرسالة من هنا
      نصرة_السنة_الطا&#1.pdf

      تعليق


      • #4
        كلمة الشكر

        جزاك الله خيرا يا أخي العزيز المفضال أبا مصعب ورفع قدرك في الدنيا والآخرة، و{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن: 60]. ولن يخيب الله سعيك إن شاء الله. {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } [الإسراء: 19]

        تعليق

        يعمل...
        X