• If this is your first visit, be sure to check out the FAQ by clicking the link above. You may have to register before you can post: click the register link above to proceed. To start viewing messages, select the forum that you want to visit from the selection below.

إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

[حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ] للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ] للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله

    حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم
    قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله:
    (16) حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم إن الرسول يحضره ، وهل يجوز حضور هذه الموالد ، والانفاق عليها.
    من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بلوشي سلمه الله .
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
    فقد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا بخصوص مجموعة مسائل .

    " إحداها " : سؤالك عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهل فعله أحد من أصحابه أو التابعين وغيرهم من السلف الصالح ؟
    الجواب : لاشك أن الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من البدع المحدثة في الدين ، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي وصار للتضليل والإضلال والوهم والإيهام مجال ، عميت فيه البصائر وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى ،وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته ، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان ، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله ولا لدى التابعين وتابعيهم ،
    وقد قال صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "
    وقال أيضاً " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"
    واذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء ذكره فلاشك أن تعزيره وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات،
    قال الله تعالى :﴿ ورفعنا لك ذكركفذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب ،والصلوات ، وفي التشهد ،والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره ، فلقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ" .
    وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ،واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط ، ولو كانت هذه الاحتفالات خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف الصالح رضي الله عنهم أحق بها منا ، فإنهم كانوا أشد منا محبة وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم على الخير أحرص ، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم : من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية دون ترسم مسالكهم المستقيمة ، لأن تعظيمهم هذا لا مشقة فيه على النفس الضعيفة .
    ولاشك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمار التي يقوم بها أمره ويعتز بها دينه: إن كان رسولاً ، وملكاً إن كان ملكاً ، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء الراشدين من بعده ،وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، إلا أن تعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الإهتداء والإقتداء وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف ، ولا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم يناسبهم إلا أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به .
    كما أنه ليس من تعظيمه عليه الصلاة والسلام أن نصرف له شيئاً مما لا يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة . وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين ، فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف لضاع أصل ديننا أيضاً ،ولكن السلف الصلاح حفظوا لنا الأصل فالواجب علينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ .

    والخلاصة أن الاحتفال بالموالد من البدع المنكرة وقد كتبنا فيها رسالة مستقلة فيها مزيد تفصيل نزودكم بصورة منها للانتفاع والله ولي التوفيق .
    " الثانية" ذكرك عما يقوله بعض الجهال والمضللين : من أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحضر الاحتفالات بمولده ،وهذا من أبطل الباطل ومما لا يتسع له عقل عاقل .
    " الثالثة " سؤالك عن حكم هذه الموالد ،وهل يجوز الاشتراك فيها والإنفاق عليها , وقد مر الجواب عن حكم هذه الموالد في معرض جوابنا عن المسألة الأولى ، أما الاشتراك فيها بالحضور والإنفاق عليها ونحوها فقد سبق لنا القول بأنها بدعة ،وأن كل بدعة ضلالة فحضورها ضلال ، والإنفاق عليها أو المشاركة في الإنفاق عليها مشاركة في الضلال والإضلال ، وإشاعة الفحشاء والمنكر .
    (ص ـ ف ـ 2110 ـ 1 في 21/7/188هـ )
    (701 ـ واذا اجتمع مع الاحتفال بمولده غناء ورقص ومردان واختلاط ونحو ذلك )
    من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم إبراهيم بن محمد بن حمد سلمه الله .
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
    فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفى به عن المسائل الآتية .
    " المسألة الأولى" : عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ،وهجرته ،وغير ذلك مما ذكرتم في كتابكم .
    والجواب : الحمد لله ـ لم يكن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعاً ولا معروفاً لدى السلف الصالح رضوان الله عليهم ، ولم يفعلوه مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه،ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، فهم أحق بالخير وأشد محبة للرسول صلى الله عليه وسلم وأبلغ تعظيماً له ، وهم الذين هاجروا معه وتركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم ،وجاهدوا معه حتى قتلوا دونه ،وفدوه بأنفسهم وأموالهم رضي الله عنهم وأرضاهم ، فلما كان غير معروف لدى السلف الصالح ولم يفعلوه وهم القرون المفضلة دل على أنه بدعة محدثة ،
    وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :" أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة "
    وروى أصحاب السنن عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة "
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية وهي قوله :" كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها ، وأن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل ،وقال : إن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده .
    وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
    متفق عليه
    وفي رواية لمسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " تعرف بذلك أن هذا العمل لما كان مخالفاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه ، لأنه محدث لم يكن عليه عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم .
    إذا عرف هذا فالاحتفال بالمولد بدعة محدث مردود على فاعله ، وهو يختلف بحسب على فاعله ،وهو يختلف بحسب ما يعمل فيه من البدع والمحرمات ، فإن خلا من المحرمات عموماً واقتصر فيه على عمل الدعوة من طعام وشراب وطيب ولم يحضره مردان ولا اختلط الرجال بالنسوان واعتقد فاعله أن هذامن الدين الذي يتقرب به إلى رب العالمين فهذا بدعة محدث مردود على فاعله .
    وإن انضم إلى ذلك مايفعله كثير ممن يقيمون الاحتفالات بالموالد من استعمال الأغاني وآلات الطرب وقلة احترام كتاب الله تعالى ، فإنهم يجمعون في هذه الاحتفالات بينه وبين والأغاني ويبدؤن به وقصدهم الأغاني ، ولذلك ترى بعض السامعين إذا طول القارئ القراءة يملون ويتثاقلون منه لكونه طول عليهم .
    وكذلك الافتتان بالمردان فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شاباً لطيف الصورة حسن الهيئة فتجدهم يتثنون ويتكسرون في مشيتهم وحركاتهم ويرقصون ويتعانقون فتأخذهم أحوال النفوس الرديئة ويتمكن منهم الشيطان وتقوى فيهم النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله من ذلك .
    وكذلك ما يحضره من النساء وافتتان الرجال بهن ، وتطلعهم إليهن ،وسماع أصواتهن ،وتصفيقهن ، و غير ذلك مما يكون سبباً لوقوع مفاسد عظيمة ،إلى غير ذلك من الفتن والمفاسد التي لا تخفى على من عرف أحوالهم .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلكواتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ، ولا يستحب ذلك إلا لجاهل أو زنديق .
    وقال العلامة تاج الدين علي بن عمر اللخمي الكندري المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة " بالمورد ، في الكلام على المولد " قال في النوع الخالي من المحرمات : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ،ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة اعتنى بها الأكالون ، بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة : إما أن يكون واجباً ، أو مندوباً ، أو مباحاً ، أو مكروهاً ، أو محرماً ، فليس بواجب إجماعاً ،ولا مندوباً ، لأن حقيقة المندوب ماطلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت , ولا جائز أن يكون مباحاً بإجماع المسلمين ، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو محرماً .
    ثم صور الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرناه : بأن يعمل رجل من عين ماله لأله وأصحابه وعياله ، ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ، ولا يقترفون شيئاً من الآثام وقال : فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروه وشناعة ، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام ، وعلماء الأنام إلى أن قال الفاكهاني في " النوع الثاني " من المولد : وهو أن تدخله الجناية ، وتقوى به العناية ، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملئى بآلات الباطل من الدفوف والشابابات ، واجتماع الرجال مع الشبان المرد والنساء الفاتنات ، إما مختلطات بهم أو مشرفات ، ويرقصن بالتثني والانعطاف والإستغراق في اللهو .
    وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان ، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان ، وإنما يحلو لنفوس موتى القلوب ، وغير المستقلين من الآثام والذنوب ،وأزيدك أنهم يرونه من العبادات ، لا من الأمور والمنكرات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

    وقال ابن الحاج في " المدخل " : إن نية المولد بدعة ، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة صحيح البخاري .
    وقال ابن حجر الهيثمي في " الفتاوى الحديثة" : إن الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور ، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساء الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع ، وذكر إنما يوجد في تلك الموالد من الخير لا يبررها مادامت كذلك القاعدة المشهورة : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
    وأما كونهم يرون أن من لم يفعل هذا فهو مقصر بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم ومتنقص له .
    فجوابه : وأي تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الاحتفالات التي وصفها العلماء بما تمجه الأسماع ، وتنفر منه سليمة الطباع ، أليس المرجع في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره إلى ما يفعله به أصحابه وأهل بيته ، وما فعله التابعون وتابعوهم بإحسان المشهود لهم بالخير ، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم " كلّ بدعة ضلالة " وقوله " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وعن حذيفة رضي الله عنه : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالاً .
    وأيضاً فأكثر ما يقصد من تلك الاحتفالات التي تقام للرؤساء ونحوهم إنما هو الذكرى وبقاء أسمائهم ،والنبي صلى الله عليه وسلم قد أُعطى من ذلك ما لم يعطه أحد غيره ، فقد رفع الله له ذكره دائماً
    .
    قال تعالى :﴿ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذين أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكركفذكره صلى الله عليه وسلم مرفوع ومقرون بذكر ربه كما في الأذان والإقامة وخطبة الجمعة وغيرها .
    وفي الصلوات ،وفي التشهد ،وغيرها ، فهو صلى الله عليه وسلم أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط .

    وقال السيد محمد رشيد رضى في كتابه " ذكرى المولد النبوي" : إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم في أمر الدين والدنيا ، لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيعملونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوى بها أمر المعظم ويعتز بها دينه .
    وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني ، ولاشك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم ، وليس من تعظيمه أن يبتدع في دينه شيء نعظمه به وإن كان بحسن نية ، فقد كان جل ما أحدث أهل الممل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضاً ،ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل ، فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ . انتهى .
    وفيما ذكرنا كفاية لإيضاح حكم الاحتفالات بالموالد ، وبيان مايفعل فيها من البدع والمفاسد .
    (ص ـ ف ـ 1234 في 21/6/1389هـ)
    (818 ـ انكار الاحتفال بالمولد النبوي أو رد شبه الشنقيطي في تجويزه )
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد :
    فإن مما أحدث بعد القرون المشهود لها بالخير " بدعة الاحتفال بالمولد النبوي " .
    وقد تجاهل محمد مصطفى الشنقيطي ذلك ، حيث برر هذه البدعة في مقالته المنشورة في جريدة الندوة عدد 1111 الصادر في 7/4/1383هـ بأمور :
    أحدها : دعوى تلقي الأمم الإسلامية هذا الاحتفال بالقبول منذ مئات السنين .
    الثاني : تقسيم العز بن عبد السلام البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة .
    الثالث : قول عمر بن الخطاب في قضية التراويح :" نعمت البدعة"
    الرابع : قول عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور .
    الخامس : دعوى الكاتب في إقامة الاحتفال بالمولد صون عرض المملكة الغربية السعودية عن أن تنسب إلى تنقص النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يذاع عنها تنقصه وإحراق كتب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم .
    فلهذا وجب نقض هذه الشبه التي أتى بها هذا الشخص أولاً ، وبيان حكم المولد ، ثانياً فمنقول ، وبالله التوفيق :
    أما دعوى الشنقيطي أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي وإن كان بدعة فقد تلقته الأمة بالقبول ، فمن أقوى الأدلة على جهالته لأمور :

    " أحدها " : أن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة ،والبدعة في الدين بنص الأحاديث النبوية ضلالة ، فمقتضى كلام الشنقيطي أن الأمة أجتمعت في قضية الاحتفال بالمولد على ضلالة .
    " الثاني " أن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم كما بينه الشاطبي في " الاعتصام" نقلاً عن بعض مشايخه ، ثم قال : ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول لو كان هذا منكراً لما فعله الناس ، ثم قال : ما أشبه هذه المسألة بما حكي عن أبي علي ابن شاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد الله بن إسحاق الجعفري ، قال : كان عبد الله بن الحسن ـ يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ـ يكثر الجلوس إلى ربيعة ، فتذاكروا يوماً ، فقال رجل كان في المجلس : ليس العمل على هذا فقال عبد الله : أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة ، فقال ربيعة : أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقتضاء الصراط المستقيم ، مخالفة أصحاب الجحيم " : من اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناءاً على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مطئ في هذا الاعتقاد ، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المستحدثة المخالفة للسنة .
    قال : ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين فكيف بعمل طوائف منهم .
    قال : وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أتوه من العلم والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة أومن قيدته العامة ، أو قوم مترئسون بالجهالة لم يرسخوا في العلم ،ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى ،ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها منزلة المجتهدين ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاحتجاج بمثل هذه الحجة ـ وهي دعوى الاجماع على العادات المخالفة للسنة ـ ليس طريقة أهل العلم ، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين ، وذكر أن الأستناد إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا رسوله ليس من طريقة أولي العلم والإيمان ثم قال : والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال . وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الإقتضاء" : ما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها ، وذكر أن التعلق في تحسين البدع بما عليه الكثير من الناس إنما يقع ممن لم يحكم أصول العلم ، فإنه هو الذي يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعاً وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك ،ويستنكر تركه .
    وذكر الشاطبي في " الإعتصام " أن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك ، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق .
    " الأمر الثالث " ما سنذكره عن علماء المسلمين من احتواء الاحتفال بالمولد على المحرمات ، وبيان أن ما لم يحتو على المحرمات منه بدعة .
    وأما تقسيم الشنقيطي للبدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة ، وتمثيله للبدعة الواجبة بنقط حروف القرآن وتشكيلها وبناء مدارس العلم .
    فالجواب عنه : أن هذا التقسيم في غاية المناقضة لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :" أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " وفي رواية النسائي " وكل ضلالة في النار" وروى أصحاب السنن عن العرباض بن سرية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاقتضاء " : لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية وهو قوله :" كل بدعة ضلالة " بسلب عمومهاوهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل وقال :إن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم . وذكر شيخ الإسلام : أن تخصيص عموم النهي عن البدع بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع لا يقبل ، فالواجب التمسك بالعموم .
    وقال الشاطبي في " الاعتصام " في رد تقسيم البدعة إلى أحكام الشرع الخمسة : إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي ،
    قال : وهو ـ أي هذا التقسيم ـ في نفسه متدافع ، فإن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده ، إذ لو كان هناك من الشرع ما يدل على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ،ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعاً وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متناضين أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعة لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة ، لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها ، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم إلا الكراهية والتحريم .
    ومن تعقب تقسيم العز بن عبد السلام البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة العلامة زروق في " شرح رسالة القيرواني" قال بعد ذكر هذا التقسيم : قال المحققون ، إنما تدور ـ أي البدعة ـ بين محرم ومكروه لقوله عليه الصلاة والسلام:" كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكلام العلماء في رد هذا التقسيم كثير .
    وأما التمثيل بنقط المصحف وتشكيله ، وبناء المدارس للبدعة الواجبة فليس بمسلم ، لأن ما ذكر ليس من البدعة في الدين ، فإن نقط المصحف وتشكيله إنما هو لصيانة القرآن من اللحن والتحريف وهذا واجب شرعاً .
    وأما بناء المدارس للعلم ، فيقول الشاطبي في " الاعتصام " رداً على التمثيل به للبدعة ما نصه : أما المدارس فلم يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله بدعة إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا في المساجد ، وهذا لا يوجد ، بل العلم كأن في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد أو منزل أو سفر أو حضر أو غير ذلك حتى في الأسواق ، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعني بإعدادها الطلبة ، فلا يزيد ذلك على إعداده له منزلاً من منازله أو حائطاً من حوائطه أو غير ذلك ، فأين مدخل البدعة ههنا ، وإن قيل البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره فالتخصيص هنا ليس بتخصيص تعبدي ، وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة

    وأما استدلال الشنقيطي على أن البدعة في الدين تكون حسنة بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في " قضية التراويح" نعمت البدعة هذه فاستدلال ليس في محله ، فإن عمر لم يقصد بذلك تحسين البدعة في الدين .
    قال الشاطبي في " الاعتصام " : إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه ، لا أن هذا بدعة من حيث المعنى ، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي ، قال : وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه ، لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقتضاء الصراط المستقيم " أما قول عمر : نعمت البدعة هذه ، فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا : قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن اعتقد قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث ، فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب قال : ثم نقول : أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها ، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية ، وذلك أن " البدعة في اللغة " تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سبق ، وأما " البدعة الشرعية " فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي ، قال : فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقاً ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ قال : وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم" إن كل بدعة ضلالة" لم يرد به كل عمل مبتدأ ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم ، قال : وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى ، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا : " إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " .
    فعلل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض ، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم ، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد ، فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل ، فسمى بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك ، وإن لم يكن بدعة شرعية ، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض ، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض .
    وقال شيخ الإسلام أيضاً في " الاقتضاء" أما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة : بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله ، فإنه قال :" إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه ولا صلاتها جماعة بدعة بل هي سنة في الشريعة ، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين ، بل ثلاثاً ، وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال :" إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة " لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن ، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد . وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقاً . وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم ،وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم .
    وأما استدلال الشنقيطي على استحسان الابتداع في الدين بما عزاه إلى عمر بن عبد العزيز أنه قال : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ، يقصد الشنقيطي بذلك القياس ، أي فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور ، فقد أجاب الإمام الشاطبي في " الاعتصام" عن هذا الاستدلال بأمور : "أولها" أن هذا قياس في مقابلة النص الثابت في النهي عن الابتداع ، وهو من باب فساد الاعتبار .
    " الثاني" إن هذا قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضي .
    "الثالث" أن هذا الكلام على فر ثبوته عن عمر بن عبد العزيز لا يجوز قياس إحداث العبادات عليه ، لأن كلام عمر إنما هو في معنى عادي يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم كتضمين الصناع ، أو الظنة في توجيه الأيمان دون مجرد الدعاوي ، فيقول إن الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة والديانة والفضيلة ، فلما حدثت أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم ، فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب ، بخلاف ما نحن فيه فإنه على الضد من ذلك .
    ألا ترى أن الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلاً عن النوافل ـ وهي ما هي من القلة والسهولة ـ فما ظنك بهم إذا زيد عليهم أشياء أخرى يرغبون فيها ويحضون على استعمالها ، فلاشك أن الوظائف تتكاثر حتى تؤدي إلى أعظم من الكسل ا لأول وإلى ترك الجميع ، فإن حدث للعامل بالبدعة هو في بدعته أو لمن شايعه فيها فلابد من كسله عن ماهو أولى ، قال فصارت هذه الزيادة عائدة على ماهو أولى منها بالإبطال أو الإخلال ، وقد مر أنه ما من بدعة تحدث ألا ويموت من السنة ماهو خير منها .

    " الرابع " : إن هذا القياس مخالف لأصل شرعي وهو طلب النبي صلى الله عليه وسلم السهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد ، فزيادة وظيفة لم تشرع تظهر ويعمل بها دائماً في مواطن السنن هي تشديد بلا شك ، فليس قصد عمر بن عبد العزيز بهذا الكلام على فرض ثبوته عنه فتح السبيل إلى إحداث البدع .
    وقال العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي المالكي في " شرح رسالة القيرواني ، في معنى : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ، قال معناه ، ما أحدثوا من الفجور مما ليس فيه نص ، وقال : قال التقي السبكي في الكتاب الذي ألفه في شأن رافضي جاهر بلعنة أبي بكر الصديق وقال فيه : عدو الله فقتله القاضي المالكي ، قال في هذه الكلمة بعدما عزاها إلى مالك بن أنس بلفظ : يحدث للناس أحكام بقدر مايحدثون من الفجور : لا نقول إن الاحكام تتغير بتغير الزمان ، بل باختلاف الصور الحادثة ، فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها ، فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكماً ، على هذا حمل التقي السبكي هذه الكلمة ،وذكر أنها منطبقة على قضية الرافضي ، لكن صورتها مجموعة من إظهار سب الصديق في ملإ من الناس ومجاهرته وإصراره عليه وإعلاء البدعة وغمض السنة ، ونقل السيوطي هذا التأويل عن السبكي في " الحاوي " .
    ومن هذه النقول يعلم أن عمر بن عبد العزيز لم يقصد بهذه الكلمة فتح أي باب يناقض الشريعة ،وكيف ينسب إلى عمر بن عبد العزيز فتح باب الابتداع في الدين وهو الذي يقول حينما بايعه الناس بعد ما صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه : يا أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي ، ولا بعد كتابكم كتاب ، ولا بعد سنتكم سنة ولا بعد أمتكم أمة ،وإن الحلال ما أحله الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة ، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسن نبيه حرام إلى يوم القيامة ، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع .
    وأما دعوى الشنقيطي أن عدم احتفال المملكة العربية السعودية بالمولد النبوي وازدرائه حيث تحتفل بغيره ولا تحتفل بمولده ، ويذاع عنها ذلك ، كما يذاع عنها أنها تحرق كتب الصلاة عليه ، فهذا من عندياته وذلك لأمور : " أحدها " : أن الحكومات الإسلامية كلها تعترف للحكومة السعودية بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع علمها بأنها لا تحتفل بالمولد النبوي مخافة من الابتداع ،وأقرب شاهد في زماننا هذا على ذلك إقبال وفودها على المؤتمر الإسلامي الذي يعقد بمكة .
    فإنه لا يتصور ذلك الإقبال الشديد على من يتهم بما ذكره الشنقيطي ،وكذلك على الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، وتلك الإشاعات التي يشير إليها الشنقيطي إنما حاول المبطلون التنفير بها عن دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، وكان الشيخ يجيب عن كل ذلك بقوله : سبحانك هذا بهتان عظيم .
    وكان يذكر أن ما ينسب إليه من إحراق كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس له أصل ، إلا أنه نصح بعض من يتعلق بكتاب " دلائل الخيرات " بأنه لا يصير هذا الكتاب أجل في قلبه من كتاب الله ، فيظن أن القراءة فيه أنفع من قراءة القرآن ، ورغم هذه الإفتراءات أبى الله إلا أن يظهر الحق ويبطل الباطل ، ويعلي الدعوة التي حاول أولئك المبطلون التنفير عنها بمثل تلك الإشاعات الباطلة
    .
    " الثاني " أن القائل بأن تارك الإحتفال بالمولد متنقص للنبي صلى الله عليه وسلم ، إن أراد بقوله هذا أن ذلك اعتقاد التارك فقد كذب وافترى ، وإن أراد أن ذلك تنقيص للنبي صلى الله عليه وسلم عما يستحقه شرعاً ، فالمرجع في ذلك إلى الكتاب والسنة وما عليه القرون المشهود لها بالخير فنحاكم كل من يطالبنا بهذا إلى ذلك ، فإن جاء بدليل صحيح صريح وإلا فنحن مستمسكون بقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إن كل بدعة ضلالة" وبما روى أبو داود في سننه عن حذيفة رضي الله عنه ، قال : كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالاً ، ولا نصون أعراضنا في الدنيا بالتقريب إلى الله تعالى بما لم يشرعه .
    " الثالث " : أن أكثر ما يقصد من تلك الاحتفالات التي تقام للرؤساء إحياء الذكرى والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله في حقه : ﴿ ورفعنا لك ذكركفذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وفي قراءة الحديث واتباع ما جاء به ، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط . ولكن الأمر كما قال السيد رشيد رضا في كتابه " ذكرى المولد النبوي" قال : إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم ـ أي البشر ـ في أمر الدين أو الدنيا ، لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا ، وإنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولاً ، وملكه إن ك ا ن ملكاً ، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء ،وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني ، ولاشك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم ،وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به ، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين ، فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا ، وكما تساهل الخلف الدين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضاً ، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل : فالواجب علينا أن نرجع إليه ، ونعض عليه بالنواجذ .
    هذا مع أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان بطريق القياس على الاحتفالات بالرؤساء صار ملحقاً بهم في التعظيم ، وهذا مالا يرضاه عاقل .
    حكم المولد
    قسم العلماء الاجتماع الذي يعمل في ربيع الأول ويسمى باسم " المولد " إلى قسمين :
    " أحدهما" ماخلا من المحرمات ، فهو بدعة لها حكم غيرها من البدع ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى الكبرى" : أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول الذي يقال إنها ليلة المولد : أن بعض ليالي رجب ، أو ثامن عشر ذي الحجة ، أو أول جمعة من رجب ، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال " عيد الأبرار" فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها .
    وقال في " الإقتضاء " إن هذا ـ أي إتخاذ المولد عيداً ـ لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ، قال : ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي ا لله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص .
    وقال ابن الحاج في " المدخل" : فإن خلا ـ أي المولد النبوي" ـ منه ـ أي من السماع وتوابعه ـ وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ أن ذلك زيادة في الدين ، وليس من عمل السلف الماضين ، واتباع السلف أولى وأوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه ، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيماً له ولسنته صلى الله عليه وسلم ، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ، ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم ، وقد علم أن اتباعهم في المصادر والموارد كما قال الشيخ أبو طالب المكي ـ رحمه الله ـ في كتابه : وقد جاء في الخبر " لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً " وقد وقع ما قاله عليه الصلاة والسلام بسبب ما تقدم ذكره وما يأتي بعد ، لأنهم يعتقدون أنهم في طاعة ، ومن لا يعمل عملهم يرون أنه مقصر ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    وقال العلامة تاج الدين علي بن عمر اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة " بالمورد في الكلام على المولد" قال في النوع الخالي من المحرمات من المولد : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها الباطلون ، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون ، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا : إما أن يكون واجباً ، أو مندوباً ، أو مباحاً ، أو مكروهاً ، أو محرماً ، وليس بواجب إجماعاً ، ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ماطلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ، ولا فعله الصحابة ، ولا التابعون : ولا العلماء المتدينون فيما علمت ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت ، ولا جائز أن يكون مباحاً ، لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين ، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو محرماً ، ثم صور الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرنا بأنه هو أن يعمله رجل من عين ماله لأهله واصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام قال : فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة ، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة ، الذين هم فقهاء الإسلام ، وعلماء الأنام ، وسرج الأزمنة ،وزين الأمكنة .
    ويرى ابن الحاج في " المدخل " إن نية المولد بدعة ، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة صحيح البخاري وعبارته : وبعضهم أي المشتغلين بعمل المولد يتورع عن هذا ـ أي سماع الغناء وتوابعه ـ بقراءة البخاري وغيره عوضاً عن ذلك ،وهذا وإن كانت قراءة الحديث في نفسها من أكبر القرب والعبادات ، وفيها البركة العظيمة والخير الكثير ، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي لا بنية المولد ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ومع ذلك فلو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذموماً مخالفاً ، فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فما بالك بغيرها ، هذا مابينه المحققون في هذا النوع من المولد .
    وقد حاول السيوطي في رسالته "حسن المقصد ، في عمل المولد : الرد على ما نقلناه عن الفاكهاني ، لكنه لم يأتي بشيء يقوى على معارضة ما ذكره الفاكهاني : فإنه عارضه بأن الاحتفال بالمولد النبوي إنما أحدثه ملك عادل عالم قصد به التقرب إلى الله ،وارتضاه ابن دحية ، وصنف له من أجله كتاباً ، وهذا ليس بحجة ، فإن البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان بنصوص الأحاديث ، فلا يمكننا أن نعارض الأحاديث المحذرة من الابتداع في الدين بعمل أبي سعيد " كوكبوري " بن أبي الحسن علي بن بكتكين الذي أحدث الاحتفال بالمولد في القرن السادس ، وعدالته لا توجب عصمته ، وقد ذكر ابن خلكان : أنه يحب السماع ، وأما " ابن دحية" فلا يخفى كلام العلماء فيه ، وقد اتهموه بوضع حديث في قصر صلاة الم غرب كما في تاريخ ابن كثير .
    وأما " القسم الثاني" من عمل المولد ، وهو المحتوى على المحرمات ، فهذا قد منعه العلماء ، وبسطوا القول فيه ، وإليك بعض عباراتهم في ذلك : قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له : فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق .
    وقال الفاكهاني في رسالته في المولد :" الثاني" أي من نوعي عمل المولد ـ أن تدخله الجناية ، وتقوى به العناية ، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه ، وقلبه يؤلمه ويوجعه ، لما يجد من ألم الحيف ، وقد قال العلماء : أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف ، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء ، مع البطون الملئى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات ، واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات ، إما مختلطات بهم أومشرفات ، ويقصن بالتثني والانعطاف ، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاوف : وكذلك النساء إلا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الانشاد ، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد ، غافلات عن قوله تعالى ﴿إن ربك لبالمرصادوهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان ، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان ، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب ،وغير المستقلين من الآثام والذنوب ،وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازناه :

    قد عرف المنكر واستنكر الـ
    وصار أهل العلم في وحدة
    حادوا عن الحق فما للذي
    فقلت للأبرار أهل التقى
    لاتنكروا أحوالكم قد أتت
    معروف في أيامنا الصعبة
    وصار أهل الجهل في رتبه
    ساروا به فيما مضى نسبه
    والدين لما اشتدت الكربه
    نوبتكم في زمن الغربه

    قال الفاكهاني : ولقد أحسن أبو عمرو بن العلا حيث يقول : لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب.
    هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو ربيع الأول ـ هو بعينه الذي توفي فيه ، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه : وهذا ما علينا أن نقول ، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.

    وقال الشيخ أبو الحسن ابن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي في كتابه " المرقبة العليا ، فيمن يستحق القضاء والفتيا " في ترجمة القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري : إن الأمير أبا يحيى استحضره مع الجملة من صدور الفقهاء للبيت بدار الخلافة والمثول بين يديه " ليلة الميلاد " الشريف النبوي ، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة المغربية من الاحتفال في الأطعمة ، وتزيين المحل بحضور الأشراف ، وتخير القوالين للأشعار المقرونة بالأصوات المطربة فحين كمل المقصود من المطلوب ،وقعد السلطان على أريكة ملكه ينظر في ترتيبه ، والناس على منازلهم بين قاعد وقائم ، هز المسمع طاره ، وأخذ يهنؤهم بألحانه ، وتبعه صاحب يراعه كعادته من مساعدته ، تزحزح القاضي أبو عبد الله عن مكانه ، وأشار بالسلام على الأمير ،وخرج من المجلس ،وتبعه الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر فناموا به . فظن السلطان أنهم خرجوا لقضاء حاجتهم ، فأمر وزراءه بتفقدهم ،والقيام بخدمتهم إلى عودتهم ،وأعلم الوزير الموجه لما ذكر القاضي بالغرض المأمور به فقال له : أصلحك الله ، هذه الليلة المباركة التي وجب شكر الله عليها ، وجمعنا السلطان ـ أبقاه الله ـ من أجلها ، لو شهدها نبينا المولود فيها صلوات الله وسلامه عليه لم يأذن لنا في الاجتماع علىما نحن فيه من مسامحة بعضنا البعض في اللهو ورفع قناع الحياء ، بمحضر القاضي والفقهاء ، وقد وقع الاتفاق من العلماء على أن المجاهرة بالذنب محظورة ، إلا أن تمس إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحد أو الكفارة ، فليسلم لنا الأمير ـ أصلحه الله ـ في العقود بمسجده هذا إلى الصباح ، وإن كنا في مطالب أُخر من تبعات رياء ودسائس أنفس وضروب غرور ، لكنا كما شاء الله في مقام الاقتداء ، لطف الله بنا أجمعين بفضله .
    فعاد عند ذلك الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى الأمير أبي يحيى ، وأعلمه بالقصة ، فأقام يسيراً وقام من مجلسه ، وأرسل إلى القاضي من ناب عنه في شكره وشكر أصحابه ، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد ،وصار في كل ليلة يأمر في صبيحة الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء ، وإرفاق الفقراء شكراً لله ، انتهى كلام النباهي .
    وقد ذكر ابن الحاج في " المدخل " مما احتوى عليه الاحتفال بالمولد في زمانه ـ فكيف بزماننا هذا ـ مايلي :
    1 ـ إستعمال الأغاني وآلات الطرب من الطار الصرصر والشبابة وغير ذلك . قال ابن الحاج : مضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله وعظمها ببدع ومحرمات ،وذكر ابن الحاج قول القائل :
    ياعصبة ماضر أمة أحمد وسعى إلى إفسادها إلا هي
    طار ومزمار ونغمة شادن أرأيت قط عبادة بملاهي
    2 ـ قلة احترام كتاب الله عز وجل ، فإنهم يجمعون في هذه الاحتفالات بينه وبين الأغاني ، ويبتدئون به وقصدهم الأغاني .

    قال ابن الحاج : ولذلك نرى بعض السامعين إذا طول القارئ القراءة يتقلقلون منه لكونه طول عليهم ولم يسكت حتى يشتغلوا بما يحبونه من اللهو قال : وهذا غير مقتضى ماوصف الله به أهل الخشية من أهل الإيمان ، وهو أنهم يحبون سماع كلام مولاهم ، لقوله تعالى في مدحهم : ﴿ وإذا سمعوا ماأُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين
    فوصف الله من سمع كلامه بما ذكر ،وبعض هؤلاء يستعملون الضد من ذلك إذا سمعوا كلام ربهم عز وجل قاموا بعده إلى الرقص والفرح والسرور والطرب بما لا ينبغي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على عدم الاستحياء من عمل الذنوب ، يعملون أعمال الشياطين ،ويطلبون الأجر من رب العالمين ،ويزعمون أنهم في تعبد وخير ، قال : وياليت ذلك لو كان يفعله سفلة الناس ، ولكن قد عمت البلوى فتجد بعض من ينتسب إلى شيء من العلم أو العمل يفعله ، وكذلك يعض من ينتسب إلى الشيخة ـ أعني في تربية المريدين ـ كل هؤلاء داخلون فيما ذكر .
    ثم العجب كيف خفيت عليهم هذه المكيدة الشيطانية والدسية من اللعين .
    2 ـ الافتتان بالمردان ، فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شاباً نظيف الصورة ، حسن الكسوة والهيئة ، أو أحداً من الجماعة الذين يتصنعون في رقصهم ، بل يخطبونهم للحضور ، فمن لم يحضر منهم ربما عادوه ووجدوا في أنفسهم عليه ،وحضوره فتنة ، سيما وهم يأتون إلى ذلك شبه العروس ، لكن العروس أقل فتنة لأنها ساكنة حبيبة ، وهؤلاء عليهم العنبر والطيب يتخذون ذلك بين أثوابهم ، ويتكسرون مع ذلك في مشيتهم إذ ذاك وكلامهم ورقصهم ، ويتعانقون فتأخذهم إذ ذاك أحوال النفوس الرديئة من العشق والاشتياق إلى التمتع بما يرونه من الشبان ، ويتمكن منهم الشيطان ، وتقوى عليهم النفس الأمارة بالسوء ، وينسد عليهم باب الخير سداً . قال ابن الحاج : وقد قال بعض السلف : لأن أؤتمن على سبعين عذراء أحب إليّ من أن أؤتمن على شاب وقوله هذا ظاهر بين ، لأن العذراء تمتنع النفوس الزكية ابتداء من النظر إليها ، بخلاف الشاب ، لما ورد أن النظرة الأولى سهم ، والشاب لا يتنقب ولا يختفي بخلاف العذراء ، والشيطان من دأبه أنه إذا كانت المعصية كبرى أجلب عليها بخيله ورجله ويعمل الحيل الكثيرة ، قال ابن الحاج : وبعض النسوة يعاين ذلك على ما قد علم من نظرهن من السطوح والطاقات وغير ذلك . فيرينه ويسمعنه ، وهن أرق قلوباً . وأقل عقولاً ، فتقع الفتنة في الفريقين . هذا بعض ما ذكره ابن الحاج من المحرمات التي تحصل في احتفال الرجال بالمولد .
    ثم ذكر من المفاسد المتعلقة بالنساء ما يلي :

    1 ـ افتتان الرجال بالنساء ، لأن بعض الرجال يتطلع عليهن من بعض الطاقات والسطوح ، وتزداد الفتنة برفع أصواتهن وتصفيقهن بالأكف وغير ذلك مما يكون سبباً إلى وقوع المفسدة العظمى .
    2 ـ إفتتانهن في الاعتقاد ، وذلك لأنهن لا يحضرن للمولد إلا ومعهن شيخة تتكلم في كتاب الله وفي قصص الأنبياء بما لا يليق ، فربما تقع في الكفر الصريح وهي لا تشعر ، لأنها لا تعرف الصحيح من السقيم ، والحق من الكذب فتدخل النسوة في الغالب وهن مؤمنات ويخرجن وهن مفتتنات في الاعتقاد أو فروع الدين .
    3 ـ خروج النساء إلى المقابر وارتكاب أنواع المحرمات هناك من الاختلاط وغيره ويذكر ابن الحاج أن هذه المفسدة من آثار بناء البيوت على المقابر ، قال : إذ لو امتثلنا أمر الشرع في هدمها لانسدت هذه المثالم كلها ، وكفي الناس أمرها ، قال : فبسبب ما هناك من البنيان والمساكن وجد من لا خير فيه السبيل إلى حصول أغراضه الخسيسة ومخالفة الشرع قال : ألا ترى ما قد قيل : من العصمة أن لا تجد . فإذا هم الإنسان بالمعصية وأرادها وعمل عليها ولم يجد من يفعلها أو وجده ولكن لا يجد مكاناً للاجتماع فيه فهو نوع من المعصية فكان البنيان في القبور فيه مفاسد منها هتك الحريم بخروجهن إلى تلك المواضع ، فيجدن أين يقمن أغراضهن . هذا " وجه "

    " الثاني " : تيسير الأماكن للاجتماع للأغراض الخسيسة ، فتيسير الأماكن هناك سبب وتسهيل لوقوع المعاصي هناك .
    4 ـ فتح باب الخروج لهن لغير ضرورة شرعية ، فإنهم ـ أي أهل زمانه ـ ضموا لأيام المولد النبوي الثلاثة يوم الإثنين لزيارة الحسين وجعلوا يوم الأربعاء لزيارة نفيسة . فالتزمن الزيارة في تلك الايام لما يقصدن من أغراض الله أعلم بها
    .
    قال ابن الحاج : ولو حكى هذا عن الرجال لكان فيه شناعة وقبح فكيف به في النساء . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    هذا ماذكره ابن الحاج في " المدخل " من مفاسد الاحتفالات بالمولد في زمانه بالنسبة لمن يقصدن المولد . ثم قسم الذين يعملون المولد في ذلك الزمن لا لقصد المولد إلى خمسة أقسام
    : " أحدها " : من له فضة عند الناس متفرقة قد أعطاها لهم في بعض الأفراح والمواسم فعمل المولد ليستردها .
    قال ابن الحاج : فهذا قد اتصف بصفة النفاق وهو أنه يظهر خلاف ما يبطن . إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة وباطنه أنه يجمع به فضته .
    "الثاني" : من يتظاهر من ذوي الأموال بأنه من الفقراء المساكين فيعمل المولد لتزيد دنياه بمساعدة الناس له . فيزداد هذا فساداً على المفاسد المتقدم ذكرها ، ويطلب مع ذلك ثناء الناس عليه بما ليس فيه .
    " الثالث" : من يخاف الناس من لسانه وشره وهو من ذوي الأموال فيعمل المولد ليأخذ من الناس الذين يعطونه تقية على أنفسهم وأعراضهم . قال ابن الحاج : فيزداد من الحطام بسبب ما فيه من الخصال المذمومة شرعاً ، وهذا أمر خطر ، لأنه زاد على الأول أنه ممن يخاف من شره ، فهو معدود بفعله من الظلمة .
    "الرابع" : من يعمل المولد وهو ضعيف الحال ليتسع حاله .
    "الخامس" : من له من الفقراء لسان يخاف منه ويتقي لأجله فيعمل المولد حتى يحصل له من الدنيا ممن يخشاه ويتقيه ، حتى إنه لو تعذر عن حضور المولد الذي يفعله أحد من معارفه لحل به من الضرر ما يتشوش به ، وقد يؤول ذلك إلى العداوة أو الوقوع في حقه في محافل بعض ولاة الأمور قاصداً بذلك حط رتبته بالوقيعة فيه أو نقص ماله ، أو غير ذلك مما يقصده من لا يتوقف على مراعاة الشرع الشريف .
    قال ابن الحاج بعد بسط الكلام على هذه المفاسد : هذا الذي ذكر بعض المفاسد المشهورة المعروفة ، وما في ذلك من الدسائس ودخول وساوس النفوس وشياطين الإنس والجن مما يتعذر حصره ، فالسعيد السعيد من أعطى قياده للاتباع وترك الابتداع ، وفقنا الله لذلك بمنه .
    وذكر ابن الحاج أن سكوت من سكت من العلماء على إنكار ما ذكر ليس بدليل ، لأن الناس كانوا يقتدون أولاً بالعلماء ، فصار الأمر بعد ذلك بالعكس وهو أن من لا علم عنده يرتكب ما لا ينبغي فيأتي العالم فيقتدى به في ذلك . قال : فعمت الفتنة ،واستحكمت هذه البلية ، فلم تجد في الغالب من يتكلم في ذلك ولا من يعين على زواله أو يشير إلى أن ذلك مكروه أو محرم .
    وقد ذكر ابن حجر الهيثمي في " الفتاوى الحديثية" أن الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور أو لم يكن منها إلا رؤية النساء الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع ، وذكر أن مايوجد في تلك الموالد من الخير لا يبررها ما دامت كذلك ، للقاعدة المشهورة المقررة : أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح قال : فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ذلك فهو عاص آثم ، وبفرض أنه عمل في ذلك خيراً فربما خيره لا يساوي شره ، ألا ترى أن الشارع صلى الله عليه وسلم اكتفى من الخير بما تيسر ، وفطم عن جميع أنواع الشر ، حيث قال :" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " فتأمله تعلم ما قررته من أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء منه ، والخير يكتفى منه بما تيسر .
    هذا ما ذكره أهل العلم في بحث الاحتفال بالمولد النبوي ولم يخل عصر من العصور المتقدمة منذ أحدث من عالم يبين الحق فيه ، ولم يزل المتبصرون من أهل العلم في وقتنا هذا ينكرون ما يقع في تلك الأيام من البدع والمحرمات .
    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ملحق في انكار الاحتفال بالمولد النبوي ، والرد على الشنقيطي

    بعدما نشر ردنا على الشنقيطي كتب مرة أخرى في الموضوع رددنا عليها بالسرد التالي :
    الحمد لله وحده ،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، محمد وآله وصحبه وسلم .
    وبعد : فقد نشرت جريدة " الندوة" في العدد الصادر يوم السبت 16/4/1382هـ للشنقيطي محمد مصطفى العلوي في تبرير الاحتفال بالمولد النبوي مقالاً آخر تحت عنوان (هذا ما يقوله ابن تيمية في الاحتفال المشروع بذكرى " المولد النبوي" مضمون ذلك المقال أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى الاحتفال بالمولد النبوي واعتمد الشنقيطي في تلك الدعوى على ثلاثة أمور :
    1 ـ قول شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم" في بحث المولد : فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو كما قدمت أنه يستحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد .
    يقول الشنقيطي : فكلام شيخ الإسلام ـ يقصد هذه العبارة ـ صريح في جواز عمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم الخالي من منكرات تخالطه .


    قول شيخ الاسلام في " الاقتضاء " أيضاً : إذا رأيت من يفعل هذا ـ أي المنكر ـ ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر ، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه .
    يقول الشنقيطي : من الجدير بالذكر ما اشار إليه شيخ الإسلم أن مرتكب البدعة لا ينهى عنها إذا كان نهيه يحمله إلى ما هو شر منها ومن المعلوم عند العموم أن أكثر أهل هذا الزمان يضيعون الليالي وخصوصاً ليلة الجمعة في سماع أغاني أم كلثوم وغيرها من حفلات صوت العرب الخليعة ، مما يذيعه الراديو والتلفزيون ، فلا يخفى علىمسلم عاقل أن سماع ذكر صفة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من سماع الأغاني الخليعة والتمثيليات الماجنة .

    3 ـ دعوى أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا ينكر الابتداع في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذكر الشنقيطي أن أكبر شاهد على ذلك تأليفه " كتاب الصارم المسلول" .
    هذا ماذكره الشنقيطي مما برر به هذه الدعوى الباطلة .
    والحق أنه إنما أتى من سوء فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وسيرته . وفي نوع ما وقع فيه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب " الاستغاثة " : الوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلم لم يكن على المتكلم بذلك بأس : ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم ، بل مازال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم . وهذا هو عين ما وقع للشنقيطي في عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية . وإلى القراء بيان ذلك فيما يلي :
    أما قول شيخ الإسلام : فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليس فيه إلا الإثابة على حسن القصد ، وهي لا تستلزم مشروعية العمل الناشئة عنه ، ولذلك ذكر شيخ الإسلام أن هذا العمل ـ أي الاحتفال بالمولد ـ يستقبح من المؤمن المسدد .

    ولكن الشنقيطي أخذ أول العبارة دون تأمل في آخرها . وفي أول بحث المولد في " اقتضاء الصراط المستقيم " فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الذين يتخذون المولد عيداً محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ص294 ـ 295 : والله تعالى قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده ، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا ، وهم على الخير أحرص ، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ، ونشر ما بعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فهذا تصريح من شيخ الإسلام بأن إثابة من يتخذ المولد عيداً محبة للنبي صلى الله عليه وسلم من ناحية حسن قصده لا تقتضي مشروعية اتخاذ المولد عيداً ولا كونه خيراً ، إذ لو كان خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا لأنهم أشد محبة وتعظيماً لرسول الله منا ، ثم بعد ذلك صرح شيخ الإسلام بذم الذين يتخذون المولد عيداً فقال في ص295 ، 296 : أكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه ، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه ، أو يقرأ فيه ولا يتبعه ، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه ، أو يصلي فيه قليلاً ، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء الكثير والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها .
    وقال شيخ الإسلام في " الاقتضاء " ص371 : من كانت له نية صالحة أُثيب على نيته وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع إذا لم يتعمد مخالفة الشرع . وصرح في ص290 بأن إثابة الواقع في المواسم المبتدعة متأولاً ومجتهداً على حسن قصده لا تمنع النهي عن تلك البدع والأمر بالاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه .
    ذكر أن ما تشتمل عليه تلك البدع من المشروع لا يعتبر مبرراً لها كما صرح في كلامه على مراتب الأعمال بأن العمل الذي يرجع صلاحه لمجرد حسن القصد ليس طريقة السلف الصالح ، وإنما ابتلى به كثير من المتأخرين ، وأما السلف الصالح فاعتناؤهم بالعمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه بوجه من الوجوه ، وهو العمل الذي تشهد له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : وهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب .
    أضف إلى هذا أن نفس قول شيخ الاسلام : فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له أجر عظيم لحسن قصده الخ .
    إنما ذكره بصدد الكلام على عدم محاولة إنكار المنكر الذي يترتب على محاولة إنكاره الوقوع فيما هو أنكر منه يعني : أن حسن نية هذا الشخص ولو كان عمله غير مشروع خير من اعراضه عن الدين بالكلية .
    ومن الأدلة على عدم قصده تبرير الاحتفال بالمولد تصريحاته في كتبه الأخر بمنعه ، يقول في " الفتاوى الكبرى" : أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها .
    وقال في بعض فتاويه : فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان إن هذا من المنكرات التي ينهى عنها، ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق .
    وأما قول شيخ الإسلام : إذا رأيت من يعمل هذا ـ أي المنكر ـ ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تدع إلى ترك منكر يفعل ما هو أنكر أو يترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه .
    فمن غرائب الشنقيطي الاستدلال به على مشروعية الاحتفال بالمولد مادام شيخ الإسلام يسمي ذلك منكراً ، وإنما اعتبر مايترتب على محاولة إزالته من خشية الوقوع في أنكر منه عذراً عن تلك المحاولة ، من باب اعتبار مقادير المصالح والمفاسد وقد بسط شيخ الإسلام الكلام على هذا النوع في رسالته في " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ومن ضمن بحثه في ذلك قوله :ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي ابن سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان ، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم ، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به واستعذر منه وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه حمي له سعد بن عبادة ـ مع حسن إيمانه وصدقه ـ وتعصب لكل منهما قبيلته حتى كادت تكون فتنة .
    ومن هذا يعلم أن لا ملازمة بين ترك النهي عن الشيء لمانع وبين إباحة ذلك الشيء كما تخيله الشنقيطي ، وقد فاته أن هذه العبارة التي نقلها عن شيخ الإسلام في عدم النهي عن المنكر إذا ترتب عليه الوقوع في أنكر منه لا تصلح جواباً لمن سأل عن الاحتفال بالمولد هل هو بدعة أم لا في بلد لا يقام فيه ذلك الاحتفال ، وإنما تعتبر جواباً لمن سأل عن حكم الإنكار على من اتخذ المولد عيداً إذا ترتب على الإنكار الوقوع في أنكر منه .
    كما فاته أن ما ذكره من جهة أغاني أم كلثوم وما عطفه عليها لا يعتبر مبرراً للابتداع ، فإن الباطل إنما يزال بالحق لا بالباطل .
    قال تعالى : ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾ وليس النهي عن الاحتفال بالمولد من ناحية قراءة السيرة ، بل من ناحية اعتقاد ما ليس مشروعاً مشروعاً ، والتقرب إلى الله تعالى بما لم يقم دليل على التقرب به إليه ومن أكبر دليل على عدم اعتبار ما ذكره الشنقيطي أن المواضع التي تقام فيها الاحتفالات بالموالد ما حالت بينها وبين الاستماع لأغاني أم كلثوم وما عطف عليها ،وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم أرفع من أن لا تقرأ في السنة إلا في أيام الموالد .
    وأما دعوى الشنقيطي فتح شيخ الإسلام ابن تيمية باب الابتداع فيما يتعلق بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية تدل أوضح دلالة على بطلانها ، فقد قرر فيها أن كيفية التعظيم لابد من التقيد فيها بالشرع ، وأنه ليس كل تعظيم مشروعاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن السجود تعظيم ومع ذلك لا يجوز لغير الله ، وكذلك جميع التعظيمات التي هي من خصائص الألوهية لا يجوز تعظيم الرسول بها ، كما قرر في غير موضع من كتبه أن الأعمال المضادة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن قصد فاعلها التعظيم فهي غير مشروعة ، لقوله تعالى : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويستدل كثيراً بما جاء في النصوص من النهي عن الإطراء ، وكلامه في ذلك كثير لا يحتاج إلى الإطالة بذكره مادامت المراجع بحمد الله موجودة ، هذا على سبيل العموم .
    أما مايخص مسألة اتخاذ المولد النبوي عيداً بدعوى التعظيم فقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيه : إنه لم يفعله السلف مع قيام المقتضي ، وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا ، وهم على الخير أحرص ،وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره واحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
    وتمثيل الشنقيطي " بالصارم المسلول" لدعواه فتح شيخ الإسلام ابن تيمية لباب الابتداع في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما نشأ من عدم تدبر كلام شيخ الإسلام في مقدمته ، فإنه قد بين فيها أن مضمون الكتاب" الصارم المسلول" بيان الحكم الشرعي الموجب لعقوبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر بياناً مقروناً بالأدلة ، ومن نظر إلى الأدلة التي سردها شيخ الإسلام في هذا الكتاب من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة تبين له أنه دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وحماية لجنابه من التعرض له بما لا يليق به ، وهذا لا صلة له بالابتداع ، هذا وليت الشنقيطي فكر في تعذر الجمع بين الأمور التي استدل بها على تبرير الاحتفال بالمولد ، فإن كون الشيء الواحد مشروعاً منكراً بدعة في آن واحد لا يتصور ، لكن من تكلم فيما لا يحسنه أتى بالعجائب ، هذا ما لزم بيانه وبالله التوفيق .
    اهـ من فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (3 / 38، 78)


    التعديل الأخير تم بواسطة محمد بن إسماعيل أبو عبد الله; الساعة 16-01-2013, 03:37 PM.
يعمل...
X